الاستعراض العصبي اللبناني

الاستعراض العصبي اللبناني

في المجتمعات المنقسمة طائفيًا أو أيديولوجيًا، يأخذ الخيار السياسي للأفراد طابعًا شديد الحساسية داخل المجتمعات المتفرعة والمتماسكة اجتماعيًا، إذ غالبًا ما تتشكل فيها أغلبيات سياسية واسعة ومهيمنة، ما يجعل أي موقف مغاير عرضةً للتمييز أو الوصم. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى التمايز السياسي بوصفه تنوعًا طبيعيًا في الآراء، بل قد يُستقبل بصورة سلبية باعتباره خروجًا عن الإجماع السائد أو تحديًا للهوية الجماعية. فيصبح الخروج عن السردية الجماعية فعلًا شديد الحساسية، لأنه لا يُقرأ بوصفه اختلافًا في الرأي فحسب، بل بوصفه خيانة رمزية للهوية المشتركة. إلا أن ما يلفت الانتباه في السنوات الأخيرة، وخصوصًا في المجال اللبناني، ليس مجرد وجود أفراد ينتقدون بيئاتهم، بل ظهور شخصيات عامة وكوميديين وإعلاميين يذهبون أبعد من ذلك: نحو تبني مواقع سياسية معاكسة بالكامل لبيئاتهم الأصلية، وأحيانًا بصورة أكثر راديكالية من أبناء البيئة المقابلة أنفسهم، لكن كل ذلك داخل الأطُر التقليدية نفسها، لا خارج الاصطفافات المعتادة.

هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها ببساطة باعتبارها “تحررًا فكريًا” أو “شجاعة فردية”، لأن جزءًا كبيرًا منها يرتبط بتحولات أعمق في بنية المجال العام، وفي طبيعة إنتاج المكانة الاجتماعية والرمزية داخل عصر المنصات الرقمية. فالفرد المعاصر لم يعد يبحث فقط عن القناعة، بل عن التمايز. وكلما كانت البيئة الأصلية أكثر صلابة وانغلاقًا، أصبح الخروج عنها أكثر قدرة على إنتاج الانتباه والفرادة. هنا تحديدًا، “الاختلاف” إلى رأسمال رمزي.

في الحالة اللبنانية، لا يثير الانتباه أن ينتقد شخص من بيئة مسيحية حزبًا مسيحيًا أو زعيمًا تقليديًا، بل أن يتحول إلى مدافع متحمس عن سياسات حزب الله أو حروبه أو سرديته الإقليمية، رغم أن هذه المواقف تتناقض جذريًا مع المزاج التاريخي والسياسي لبيئته الأصلية، التي من الممكن اعتبارها قد منحته مسبقًا امتيازاتٍ ثقافية متعلقة ببناء الدولة والحفاظ على الشرعية، بالتالي يعتبر خروجه عنها أشبه بالانتقام من الوعي الجمعي الأولّي بسلبياته وإيجابياته، والعكس صحيح أيضًا في بيئات أخرى. هنا، لا يعود الأمر متعلقًا بالموقف السياسي بحد ذاته، بل بالدور الرمزي الذي يؤديه هذا التموضع الجديد. فالشخصية العامة تدرك أن انتقالها إلى الضفة المقابلة يمنحها فورًا قيمة إعلامية مضاعفة، لأنها تتحول إلى “الاستثناء الذي يخرق القاعدة”.

ضمن هذا السياق، يمكن فهم جزء من سلوك بعض الكوميديين والإعلاميين الذين يبنون حضورهم على كسر التوقعات الجماعية. فالكوميديا السياسية في المجتمعات المنقسمة لا تعمل فقط عبر السخرية، بل عبر إعادة توزيع المحرمات و”التابوهات”. الكوميديان الذي يسخر من بيئته أو يتبنى خطابًا معاكسًا لها، لا ينتج الضحك فقط، بل ينتج أيضًا صورة عن نفسه بوصفه “متحررًا” من الاصطفافات التقليدية. إلا أن هذه العملية غالبًا ما تنزلق إلى نوع من الاستعراض السياسي، حيث تصبح الصدمة هدفًا بحد ذاتها، لا وسيلة للنقد.

في علم الاجتماع السياسي، يمكن مقاربة هذه الظاهرة من خلال مفهوم “التميّز عبر النفي”. أي أن الفرد لا يبني هويته الجديدة انطلاقًا من مشروع فكري متماسك، بل من خلال نفي هويته الأصلية بصورة مبالغ بها. ولذلك نلاحظ أحيانًا أن بعض الشخصيات الخارجة عن بيئاتها تصبح أكثر تشددًا في الدفاع عن البيئة الجديدة التي التحقت بها، لأنها تحتاج باستمرار إلى إثبات صدقية انتقالها الرمزي. ومن المثير للدهشة أنه في مثل هذه الحالات، قد يتناقض الشخص مع نفسه، كتبنيه مشروعٍ يناقض مصالحه الشخصية وكيانه بحد ذاته، كابن البيئة المسيحية الذي يتبنى مشروع حزب الله القائم على بناء دولةٍ دينيةٍ تتماهى مع ولاية الفقيه في إيران، أو أن يزايد متضررٌ من سياساتٍ نقدية معينة، على متخذي الخيارات السياسية نفسهم رغم ضررها لمصالحه. هنا يتحول التمرد إلى أداءٍ دائم، لا إلى مراجعة فكرية هادئة.

الأخطر في هذه الظاهرة أنها تعكس أزمة أعمق داخل المجتمعات الطائفية الحديثة: أزمة الفرد الذي لا يستطيع التعبير عن استقلاليته إلا عبر القطيعة الحادة مع جماعته. ففي الأنظمة الطائفية، يُختزل الفرد غالبًا داخل هوية جماعية مغلقة، ما يجعل أي محاولة للتمايز محكومة بالمبالغة. لذلك، بدلاً من أن ينتج المجال العام أفرادًا نقديين قادرين على مساءلة الجميع من مسافة واحدة، ينتج في كثير من الأحيان شخصيات تنتقل من اصطفاف كامل إلى اصطفاف مضاد كامل، مع تغيير الشعارات فقط.

من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه الشخصيات “على حق” أو “على خطأ”، بل ما إذا كانت تمارس فعلًا نقديًا مستقلًا، أم أنها تعيد إنتاج منطق الاستقطاب نفسه ولكن بوجه معاكس. فبعض أشكال الخروج عن البيئة لا تكون تحررًا من العصبية، بل انتقالًا استعراضيًا من عصبية إلى أخرى، ومزايدة حتى على أصحاب الفكرة الأصيلين، ضمن اقتصاد إعلامي يكافئ كل ما هو صادم واستثنائي وقابل للتداول.

وفي هذا المعنى، قد يكون أكثر ما تحتاجه المجتمعات المنقسمة ليس شخصيات “تخون” بيئاتها أو تنقلب عليها بصورة مسرحية وداخل القوالب التقليدية نفسها. ولا يلغي هذا الحديث حقّ أيٍّ كان في تبني الخيارات التي يراها مناسبة، إنما يحاول خلق شخصيات قادرة على بناء مسافة نقدية حقيقية من الجميع، من دون تحويل الاختلاف إلى عرض مبتذلٍ دائم.