25 Jun 2026
Like this post
لعل أكثر ما يستدعي التأمل في المشهد اللبناني الراهن، هو القدرة الفائقة على الفصل التعسفي بين المؤشرات الميدانية والخطاب السياسي. وهي حالة تفوق “النكران” بمفهومه النفسي لتصل إلى حد “الفصام الاستراتيجي”.
يشبه الأمر من يقف وسط ركام بيته الذي احترق بالكامل، ليجادل المهندس بجدية وبصلابة حول جودة الستائر أو لون طلاء الجدران في الصالون.
هذا المشهد السريالي يختصر جوهر النقاشات التي تدور يومياً داخل أروقة قيادة حزب الله وفي بيئته حول شروط “اتفاق واشنطن” والتسويات المقترحة، حيث تصاغ اللاءات، ويطالبون الدولة اللبنانية باجتراح معجزات تنتزع حقوقاً سيادية فقدوها بأيديهم، وكأن المفاوض لا يزال يستند إلى ذات الجدار الصلب الذي كان يحتمي به قبل عامين، تاركاً من حساباته خطوة بديهية تسبق أي تفاوض: استيعاب حجم الارتطام والاعتراف بالخسارة.
ولكي نستوعب مسألة الخسارة، علينا أن نعود إلى تحليل ما أطلقنا عليه “انتصار 2006″، الذي لم يكن مجرد حدث عسكري فحسب، بل تجسيداً لولادة ما أطلقنا عليه “معادلة الردع”. هذه المعادلة التي بنيت على بوليصة تأمين استراتيجية، ألا وهي شبكة من الصواريخ متوسطة وطويلة المدى التي شلّت مبادرة العدو وفرضت توازن الرعب لسنوات. لكن المأساة في هذا التحليل هي غض طرف قيادة الحزب عن حقيقة أن بوليصة التأمين هذه قد انتهت صلاحيتها بحلول “الإثنين الأسود” في 21 أيلول 2024.
ففي ذلك اليوم، لم تكتفِ إسرائيل بتغيير قواعد الردع، بل وجَّهت ضربة هيكلية أخرجت آلاف مواقع تخزين الأسلحة عن الخدمة في جنوب الليطاني، وقضت في غضون ساعات على العمود الفقري لما أطلقنا عليه اسم “معادلة الردع”، الذي كان درع الحزب الحامي، ما يعني أن المظلة التي كانت تحمي القرار اللبناني قد تمزقت، وأن حرب “الإسناد” انتهت بإنهاء أسس الردع نفسها.
المشكلة الحقيقية في هذا الإنكار هي في انفصاله التام عن الواقع الذي يواجه الناس على الأرض. واليوم، تحاول الآلة الإعلامية وأبواقها تصوير الإنسحاب من ساحة المعركة على أنه “صمود بطولي”، وتصرّ على فرض شروط مستحيلة في المفاوضات. هذا السلوك ليس أكثر من اندفاع متهور إلى الأمام، ومحاولة لإخفاء الواقع القاسي لبيئة دُمرت قراها وشُرِّد سكانها؛ وكأن خطاب القيادة يسعى لإقناع الجمهور بأن الخسائر البشرية والإقليمية لا تهم، طالما أن لدينا القدرة على قول “لا” للاقتراح الأميركي. لكن هذا الخطاب الخشبي لم يعد قادراً على إخفاء صوت الانهيار الحقيقي ومعاناة الناس.
من هنا، فإن استمرار الغطرسة السياسية ومحاولة فرض شروط المنتصر المنتشي بأمجاد الماضي، لا يعدو كونه ترويجاً للأوهام أمام شعبٍ منهك لم يعد قادراً على تحمل تكلفة الشعارات. إن الإصرار على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة التفوق العسكري، في وقت فقدت فيه الجبهة أوراقها الرابحة، يعكس عجزاً عن الانتقال من عقلية “الحركة العسكرية المغلقة” إلى عقلية “السياسة الواقعية”.
قبل أن نفرض على الدولة اللبنانية ما يجب أن تقبله وما يجب أن ترفضه من المسودات الدولية، وقبل أن نصمم اتفاقات وهمية لتناسب توازنات قوى تلاشت من على أرض الواقع، يجب أن نمر بمرحلة من الصراحة مع أنفسنا، فالحديث عن شروط تفاوض مريحة قبل الاعتراف بضخامة الكارثة وفهم أبعاد الهزيمة ليس فقط محاولة إبحار بسفينة مثقوبة، بل إن المأساة تكمن في حقيقة أن القبطان لا يزال واقفاً على سطح السفينة، غاضباً من حركة الأمواج، مطالباً بأن تجري الرياح كما تشتهي أوهامه.