ندوب الهوية اللبنانية

ندوب الهوية اللبنانية

المخاض الأول… حين تولد الأوطان عليلة

في المفهوم الإنساني والوجداني، لا يرتسم لبنان في عقول أبنائه كحيزٍ جغرافي تحدّه الخطوط والخرائط؛ إنه “قصة وطن مش أرض”، نبضٌ يسكن الروح وتفصيلٌ عصيٌّ على النسيان. غير أن هذا الوطن شُيِّد منذ مخاضه الأول على تراجيديا عميقة؛ كجنينٍ انتظرته أمه تسعة أشهر بفارغ الصبر ولهفة الاشتعال، وفاضت مآقيها بالدموع وهي تشق طريقها بصمت وتخط أثلامًا غائرة على خديها، لتجده في النهاية جسدًا عليلًا.

في البداية، كان الانكسار مرًا والواقع هجينًا عصيًّا على التقبل، لكن مع مرور العقود، تحول الوجع المتراكم إلى تعايش قسري، واستحالت صورة الأم رمزًا حيًّا ينزف حزنًا وألمًا على رصيف وطنٍ يترنح.

إن تفكيك المشهد اللبناني من منظور صحفي استقصائي يكشف عن جغرافيا استُنزِفت مقدراتها حتّى النخاع؛ أرضٌ فقدت خضارها، زهورٌ باخ لونها، وأرزٌ ذاب كشمعةٍ تحترق في عتمة ليلٍ طويل، بينما هاجرت مياه البحر شطآنه من فرط الأسى والخراب. لقد تعاقبت على هذا البلد منظومات سلطوية وشبكات نفوذ مالي، أدارت البلاد بعقلية المزرعة وتركته وحيدًا في مهب الأزمات المتلاحقة. هؤلاء، بأيديهم، لوثوا اللوحة الإنسانية والحضارية التي تميزت بها هذه البقعة، وعاملوا المواطنين كأدواتٍ لتعزيز نفوذهم. تفشت في عهودهم عدوى الكذب والمحسوبية والرشوة، حتى ضفروا وشاحًا أسود داكنًا لفّوه حول عيون الناس؛ ليس لشيء، بل لطمس البصيرة وتسهيل استغلالهم وتجريدهم من حقوقهم البديهية.

تسللت الأيدي إلى البيوت والجيوب، فتحول عرق الجبين وتعب السنين إلى مصدرٍ لإثراء فئةٍ حصّنت نفسها ضد المحاسبة، في زمنٍ عجز فيه المظلوم عن مقاضاة الحكام لأنهم هم القضاة وهم المشرعون. زرعوا الخوف في زوايا الوطن الأربع، ونبشوا قبور الطائفية ليفرقوا بين الأخوة، واضطرت العائلات إلى الانقسام والتحزب لتتلاشى أواصر التضامن الاجتماعي. حتى أبسط مقومات الاستقرار، كالحب وتأسيس عائلة، باتت شبه مستحيلة في ظل عجز الشباب عن تأمين مسكنٍ يليق بكرامتهم الإنسانية. لقد سلبوا من العيون جرأة الحلم، لأن الحلم في بيئةٍ كهذه بات مرادفًا لوجعٍ مؤجل، ومقدمةً لانكسارٍ جديد.

جدار الذاكرة… تجليات الخوف والألم الدفين

“الانكسار داء يصيب كلّ من تذوّق طعم القوّة من أعماق روحٍ اندفنت بين يديه. هناك أماكن، وأشياء، وأرواح تتشبّث بالوقوف على الرغم من كل الخراب من حولها. لا تسقط لأنها عاجزة عن الاحتمال، بل لأنها لا تملك خيارًا آخر. كلمة الانكسار، هي الصوت القاتل لذهن الإنسان”.

في قلب هذا الخراب المستدام، يبرز “الجدار الأبكم” لا ككتلة بيتونية صامتة، بل كشاهدٍ تاريخي، كأذنٍ تُصغي، ومسكنٍ عاطفي لما تخفيه القلوب من ضحك ودموع، وأسرار وأحلام لم تُقَل. لم تمر ضحكات العابرين في أزقة بيروت والقرى مرورًا عابرًا، بل حفرت نفسها في مسام هذا الجدار كي لا تغرق في بحر الدموع المنسية. ودموع الأمهات والآباء خطت أثلامًا على ملامحه الحجرية وروت صحراء الذاكرة العطشى. لقد تشقق الجدار من ثقل الهموم المتراكمة، لا استسلامًا للانهيار، بل لأنه شهد ضحكاتٍ كانت بمثابة آليات دفاعية مريرة للنجاة؛ ضحكات قصيرة ومرتجفة، تخفي وراءها دموعًا مؤجلة وخوفًا دفينًا لا يزول من الغد.

في زوايا هذا المكان، كبر الأطفال أسرع من أعمارهم بسبب الأزمات المتلاحقة، وتواطأت الأمهات على إخفاء الخوف بين تفاصيل ترتيب البيت وصخب “صباحيات” نساء الحارة لتمضية الوقت السارق. علق الناس أعمارهم على هذه الجدران؛ صورًا توثق المحطات من الولادة حتى الوفاة، شهاداتٍ علقت خوفًا من نهر النسيان الجارف الذي يهدد الهوية الوطنية. حتى رسومات الأطفال الصغار لم تكن لعبًا، بل أصابع تقاتل الزمن كي لا تموت اللحظة؛ لونوا الجدار ليزينوا غرفهم، وكأنهم يلونون حياتهم الشاحبة.

تحول الجدار إلى صندوقٍ خشبي عتيق، يخبئ حياة بأكملها: آمالها، خيباتها، وخوفها الدفين الذي لم يجد مأوى سوى هذا الصدر الحجري. تحمل الجدار كما تتحمل الورود الثلج والمطر، حتى تحولت الشقوق فيه إلى خريطةٍ لعالمٍ جديد، لا يُرى سوى من الداخل.

ثم حلّ الصمت الثقيل؛ ليس صمت السكينة والسلام، بل الصمت الصارخ الذي يحني الظهر كعجوز أنهكه الزمن؛ صمت الانتظار المُر، صمت الخوف من المجهول، وصمت الأسئلة المصيرية التي بقيت إجاباتها بيضاء بلا سطور. في الليل، كان الجدار يستشعر خفقان القلوب المرتجفة والغصة قبل أن تولد في الحناجر، ويسمع لسان حال المواطن عند نفاد القدرة على الاحتمال: “ما بقى فينا نكمّل”. على الرغم من ذلك، بقيت الأماكن واقفة بصلابة الجبال، لأن الجدران – تمامًا ككرامة أصحابها – لا تملك رفاهية الانهيار المفاجئ.

العاصمة المنكوبة

لقد طال انتظار اللبنانيين؛ انتظار انتهاء الأزمات، عودة المغتربين، والبحث عن الأمان المفقود. علق الناس آمالهم على حقائب وُضعت عند الأبواب، تروي قصة وعودٍ بالعودة ماتت قبل مواقيتها. الراحلون خلعوا أرواحهم وتركوها عالقة بين حبال الذكريات، ليتأرجح الشوق ويثقل الحنين إلى أيام خلت، بحثًا عن دفءٍ قديم.

وفي لحظةٍ مأساوية عاصفة، اهتزت أركان العاصمة “بيروت”، لتُقتل وتُدفن تحت رماد التفجير والفساد، وسط غبار وزجاج ووجع كُتِب كفصلٍ دامي في كتاب الوجود اللبناني. الجدار الذي لم يسقط، تصدع حتى العمق، وحمل الغبار والوجع بين يديه كحملٍ صغير، ليوثق الخسارة كما هي.

غدا لبنان في التوصيف الصحفي المعاصر كجسدٍ بلا روح؛ روحه هاجرت بعد أن عُذبت فوق طاقتها، وجف قلبه من الدماء، وتحولت عيونه إلى ينابيع جافة في هجير الصيف. والواقع المرير يشير إلى أن أبناءه يساهمون دون وعي في تصفية هذا الوطن هجرةً واغترابًا كلما صعدوا متن طائرة الفراق، وخاطوا كفنه كلما لعنوا الأرض التي أنجبتهم نتيجة اليأس.

بات أهل لبنان الحقيقيون ساكنين داخل خيارات ضيقة تضيق عليهم بأنفاسها؛ حيث تعكس الأرقام واقعًا مرعبًا: ثلث شباب لبنان يعانون من البطالة والركود في بيوتهم، في حين تنهي الأمراض حياة العديدين بسبب تدهور القطاع الصحي وصعوبة تأمين أسرّة الاستشفاء، ليصبح العيش بكرامة واحترام مطلبًا حقوقيًّا يُستجدى على أبواب المستشفيات والمؤسسات.

لقد غيرت السياسات الجائرة حتى المعالم الأساسية للحياة، وأضحى المواطن يدفع ثمن الخدمات البديهية كالهواء والماء، وتلوثت الحقول بالأمراض البيئية الناتجة عن الفساد، مما جعل الشعب يواجه أزمات صحية متتالية ويقتات طعامًا يشبه فاسديه ليشحد فراش الموت. سُنون العلم والشهادات سُرقت قيمتها وبقيت حبيسة المغلفات في ظل انهيار المنظومة الاقتصادية.

لقد تصدر المشهد أشباه مسؤولين تمسكوا بكراسي الحكم معتقدين أن المناصب تصنع الرجال، بينما تخدر المجتمع من فرط الأزمات، وتحول المواطنون إلى ما يشبه الآلات عديمة الإحساس بفعل الصدمات المتتالية. يحيط بهم الخوف من كل جانب؛ خوف على الغد، خوف على الأبناء، وخوف من جيلٍ يشيخ ويهرم قبل أن تسنح له فرصة الحياة.

إرادة الحياة في مواجهة الوحوش

رغم هذا المشهد السوداوي الممتد، ورغم تساؤلات الجيل الجديد الذي يتأرجح بين خياري البقاء والرحيل، متسائلًا بعيونٍ أنهكها الانتظار وقلوبٍ شاخت قبل أوانها: “هل نبقى؟ هل نرحل؟ هل يستحق هذا المكان أن نُفنى من أجله؟”… يأتي الجواب من عمق الشقوق ومن إصرار الهوية المتجذرة في التراب.
لو كان للصمت صوت لقال: أنا متعب، نعم. متشقق، نعم. لكن الانهيار ليس خيارًا لمن قرر أن يكون شاهدًا صامتاً على العصر وناقلاً للتاريخ. وإن سقطت هذه البنية يومًا، فلن يكون ذلك ضعفًا، بل لأنها حملت الألم والوجع حتى آخر أنفاسها.

إن شباب لبنان الذين بذلوا أرواحهم على مر العقود وسقوا التراب بدمائهم لم يفعلوا ذلك عبثًا؛ بل ماتوا دفاعًا عن بقاء المجتمع، ومن أجل شفاء أمهاتهم وبناتهم، ولكي تبقى عائلاتهم محمية من وحوش الفساد. ماتوا لتستريح الأجيال المقبلة في فيء شجرة الأرز، وتحتهم أرض تحميهم وسماء تمطر عليهم كرامة وحرية، من أجل وطنٍ يبقى فينا ونبقى في أرضه.

لقد حاولت المنظومة الفاسدة طمس الرواية الوطنية وحرق فصولها كي يموت الأمل، لكنهم جهلوا أن الإرادة الشعبية الصامدة، المدعومة بدموع الأمهات المليئة بالخوف والوجع والتي انحرمت من النوم، كافية لإطفاء نيران الأزمات وإعادة البناء.

اليوم، يتطلع اللبنانيون إلى الوحدة تحت راية العلم؛ الذي صُبِغ أحمرُه بدماء الشهداء وتجلى بياضُه كورد السلام، لتظل الأرزة الجامعة سقفًا ومنزلاً لكل مغترب ومقيم. إن لبنان كفكرة وحضارة يمتلك مقومات النهوض بأيدي أبنائه الذين يرفضون الاستسلام وسيُعمرون هذا الوطن من جديد. فإذا كان لبنان هو الأرض الجغرافية… فإن الوطن هو القلب والشريان الحيوي الذي يرفض التوقف عن النبض.

“فاحفروا كلماتكم بيّ، لعلّ يومًا يأتي… فأرويها لأحد”.