5 Jul 2026
Like this post
لا يمكنني الحديث عن تجارب الناس مع الاكتئاب من دون أن أتوقف طويلًا أمام سؤالٍ بدا لي أكثر قسوة من الحالة نفسها: كيف ينظر المجتمع إلى الرجل حين يتكلم عن مشاعره؟ وهل يجب علينا أن نتعامل مع الرجل انطلاقًا من كونه يمتلك مشاعرًا مشابهةً لما تمتلكه الأنثى؟
في نهاية الصيف الماضي دخل أحد أصدقائي المقرّبين دائرة الاكتئاب للمرة الأولى بصورة لم يكن أتخيلها. لم يكن الأمر حزنًا عابرًا ولا مرحلة مؤقتة من التعب النفسي، بل انهيارًا بطيئًا لكل ما كان يظنه ثابتًا في داخله. جاءت تجارب متلاحقة لم يخرج منها سليمًا، حمل معها ما يكفي من الخسارات والأسئلة والخيبات لتضعه في مواجهة نفسه للمرة الأولى بهذا الشكل ودون أي قدرةٍ على الهروب.
أذكر تلك الأيام جيدًا. أذكر كيف تحولت غرفته إلى عالمه الوحيد، وكيف بدأت تضيق الغرفة على رقبته، بوصفه، ساعةً تلو الأخرى، وكيف أصبح السرير المكان الذي يقضي عليه ساعات النهار والليل بلا فرق واضحٍ بينهما. يستذكر لي أنه لم يرى الشمس لأيام طويلة، ليس لأن أحدًا منعنه من الخروج، بل لأن مجرد التفكير بالخروج كان يبدو مهمة تفوق قدرته. حتى ضوء النهار نفسه كان يثير في داخله شعورًا غامضًا بالقلق. كان يراقب العالم من خلف النافذة كما لو أنه لم يعد ينتمي إليه، وكأن الحياة تستمر في مكان آخر بينما يقف صديقي خارجها عاجزًا عن اللحاق بها.
في تلك المرحلة، لم يكن الموت، بالنسبة إليه، فكرةً رومانسية كما يصورها الأدب أحيانًا، بل كان تعبيرًا عن الإرهاق. إرهاقٌ من التفكير، ومن محاولة المقاومة، ومن البحث المستمر عن معنى لكل هذا الألم، وعن نهايةٍ مضيئةٍ لكل هذا السواد المحيط بذهنه. ولولا دعم بعض الرفاق، وبمساعدة الأدوية التي أعادت شيئًا من التوازن الكيميائي لدماغه بحسب قوله، لما كنت قادرًا على الخروج من تلك الدوامة التي بدت له في بعض لحظاتها بلا نهاية.
لكن الخروج من الاكتئاب لا يعني العودة كما كنت. هذه من أكثر الحقائق التي لا يتحدث عنها الناس. فالاكتئاب لا يمر من فوق الإنسان مرورًا عابرًا؛ إنه يترك أثره في نظرته إلى نفسه وإلى العالم. قد تستعيد قدرتك على العمل والضحك والنوم والخروج من المنزل، لكنك تدرك في لحظة ما أنك لم تعد الشخص ذاته الذي دخل تلك التجربة. شيء ما يتغير في الداخل إلى الأبد.
ولعل أكثر ما أثار انتباهي خلال هذه الرحلة هو الطريقة التي يُنظر بها إلى معاناة الرجل النفسية. فلا يزال الرجل في نظر كثيرين كائنًا مطالبًا بالقوة الدائمة، وكأن المشاعر امتياز مُنح للآخرين وحُرم منه. يُسمح له بالغضب لأنه يُفسَّر على أنه قوة، ويُسمح له بالعمل لأنه يُفسَّر على أنه مسؤولية، لكنه حين يتحدث عن خوفه أو ضعفه أو انكساره يصبح موضع شك. فجأة تبدأ الأسئلة القديمة بالظهور: أين رجولته؟ لماذا لا يتحمل؟ لماذا لا يصمت؟
كبرنا في مجتمعات تعلّم أبناءها الذكور أن الألم يجب أن يُخفى، وأن البكاء ضعف، وأن الاعتراف بالمعاناة هزيمة. ومع مرور الوقت لا يعود الرجل بحاجة إلى من يمنعه من الكلام، لأنه يتولى بنفسه مهمة إسكات ذاته. يتعلم كيف يبتلع مخاوفه، وكيف يخفي قلقه، وكيف يبتسم بينما ينهار من الداخل.
والمفارقة أن هذه الأحكام لا تصدر دائمًا عن الأشخاص البعيدين عن المعرفة النفسية. ففي كثير من الأحيان تجد حتى بعض من يتحدثون عن الصحة النفسية ويدافعون عنها، واقعين بصورة واعية أو غير واعية، داخل التصورات التقليدية نفسها. قد يؤكدون نظريًا حق الرجل في التعبير عن ألمه، لكنهم في الممارسة اليومية يبدون أقل تسامحًا مع ضعفه وأكثر ميلًا إلى مطالبته بالتماسك والصمت.
أعترف اليوم أنني بتُّ متبنيًا جزئيًا لهذه الثقافة. فصرت أعتقد، مثل كثيرين، أن الرجل لا يجب أن يشعر بالعمق نفسه الذي تشعر به المرأة، أو أنه على الأقل قادر على تجاوز أوجاعه بصورة مختلفة. أصبحت أظن أن الصلابة تعني القدرة على إخفاء الجراح، وأن القوة هي ألا يراك أحد وأنت تنزف نفسيًا، أو في حالات كثيرة، لا يجب وصم الرجل بالمعاناة أساسًا.
وأنا أعلم تمامًا أن التصوّر التقليدي الذي يستثني الرجل من الحديث عن معاناته النفسية لا يصمد نظريًا أمام أي نقاش حديثٍ وعلى الأوراق الموزّعة في ورشات العمل الاجتماعية والنفسية، لكن ما قيمة صحة الفكرة على الورق إذا كانت الممارسة اليومية تقول شيئًا مختلفًا؟ ولستُ أتبنّى هذا الرأي من موقع الاقتناع المسبق أو التمسك بالأفكار السائدة، بل من موقع مراقبة التجربة نفسها؛ فقد أصبح جزءًا مما راكمته من فهم ودراية لأبعاد النجاة من الاكتئاب والعودة من حافة الموت.
إن أكثر ما خرجتُ به من تلك التجربة هو إعادة تعريف معنى المعاناة النفسية. وللأسف، جاء هذا التعريف قاسيًا وظالمًا في أحيان كثيرة، إذ بات يحمل في داخله قدرًا من إنكار جدوى معاناة الرجل أو التقليل من شأنها. والمفارقة أنني لم أكن يومًا ممن يشجعون على إخفاء المعاناة النفسية؛ بل على العكس، كنت أشجّع على الكتابة والحديث عنها، وأتعامل مع السرد بوصفه فعلًا من أفعال النجاة ومحاولةً دائمة للشفاء.
وأدرك أن تموضعي إلى جانب النظرة التقليدية لقدرة الرجل على التعبير عن معاناته قد يكون سلاحًا ذا حدّين. فاليوم، وأنا أقف مراقبًا لصديقي وهو على أعتاب الاكتئاب مرةً أخرى، أجدني أتواطأ مع الصمت، متبنّيًا إنكارأيّ معاناةٍ كأنه الخيار الوحيد الممكن.
لكنّ المشكلة، في رأيي، لا تكمن في الوقوف بوجه المشاعر أو محاولة كبتها، بل في التناقض الذي يحيط بهذا الموضوع. فكثيرون ممن يدافعون نظريًا عن حقّ الرجل في التعبير عن حالته النفسية يقعون، عند أول اختبار حقيقي، في فخّ الفجوة بين “النظرية والممارسة”؛ قد يدافعوا عن فكرة التفهّم والدعم، ثم لا يلبثون أن يتعاملوا مع الرجل الذي يبوح بألمه وفق المعايير التقليدية ذاتها التي يدّعون رفضها.
وفي مثل هذه اللحظات، يختار الرجل الصمت. يقف أمام المجتمع مدّعيًا أنه بخير، يؤدي الدور المتوقع منه بلا شكوى، ثم يعود في نهاية يومه الثقيل ليعترف لنفسه، أمام المرآة فقط، بحجم الألم الذي عاشه وأخفاه. وربما لا يكون قد انتصر على معاناته، لكنه يشعر، في الحدّ الأدنى، أنه انتصر في معركته الصغيرة مع أولئك الذين ادّعوا التفهّم ولم يمارسوه، وفي معركته للدفاع عن قناعاته الجديدة التي راكمها على سطح موته.