اختصاص حزب الله تجميل قباحة الحرب

اختصاص حزب الله تجميل قباحة الحرب

بعد كل حرب، لا تقتصر المعركة على إعادة بناء ما تهدّم، لكنها تمتد إلى معركة أخرى لا تقل أهمية وهي معركة الرواية والصورة.
في لبنان، برز هذا المشهد بوضوح في الكثير من المناطق المتضررة، حيث تحولت الأنقاض إلى خلفية لرفع أعلام الممانعة على أنواعها، من حزب الله إلى إيران، وتعليق صور قادتهم وشهدائهم جميعاً، والتقاط صور تحمل شارات النصر أمام مبانٍ مدمرة، في محاولة لتقديم مشهد يوحي بأن الانتصار لا يزال قائماً على الرغم من حجم الخسائر.

هذا السلوك ليس متعلقاً بالعَلم بحد ذاته، ولا بصورة القائد بحد ذاتها، إنما بالدلالة التي يراد إيصالها. فالرمز يتحول إلى وسيلة لإعادة تعريف الواقع، بحيث تصبح الصورة أهم من الوقائع، ويصبح المشهد البصري أداة لإنتاج سردية تقول إن الصمود وحده يكفي ليُترجم إلى انتصار، حتى لو كانت البيوت مهدمة والبنى التحتية مدمرة والناس لا تزال تبحث عن سبل العودة إلى حياتها الطبيعية.

ولعل اللافت أكثر في المرحلة الأخيرة هو انتقال هذه المحاولة من الشارع إلى الفضاء الرقمي. فمع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، ظهرت صور ومقاطع تُظهر أحياء ومبانٍ وكأنه أعيد إعمارها بالكامل، أو تقدم مشاهد مثالية لا تعكس الواقع القائم على الأرض. وبينما قد يُستخدم الذكاء الاصطناعي في مجالات إبداعية كثيرة، فإن توظيفه لرسم واقع بديل يحمل بعداً دعائياً، لأنه يستبدل ما هو موجود بما يُراد للناس أن يصدّقوه.

في هذا السياق، تصبح الصورة جزءاً من إدارة الرأي العام. فبدلاً من التركيز على حجم الدمار، أو كلفة الحرب، أو مصير آلاف العائلات التي فقدت منازلها، يجري توجيه الاهتمام نحو رموز القوة والانتصار. وهنا لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل كيف يمكن تقديم ما حدث بصورة تخدم رواية سياسية معينة.
هذا النمط من الخطاب ليس جديداً، إذ تلجأ إليه أطراف مختلفة في النزاعات حول العالم، حيث تُستخدم الرموز والشعارات والصور لصناعة معنويات جماعية أو تثبيت رواية محددة. إلا أن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه الرموز إلى بديل عن مواجهة الواقع، أو عندما يصبح تجميل الصورة مقدماً على معالجة آثار الحرب نفسها.

في الحالة اللبنانية، يبقى التحدي الحقيقي في إعادة بناء الإنسان قبل المبنى، والثقة قبل الشعارات، والحقائق قبل الصور. فرفع العلم فوق الركام لا يعيد منزلاً، وصورة القائد لا تعوض خسارة عائلة، وصور الذكاء الاصطناعي لا تبني مدرسة وأو مستشفى أو منزل دافئ. وقد تمنح الرموز شعوراً معنوياً لدى البعض، لكنها لا تلغي الواقع الأليم التي يعيشه الناس يومياً.

وفي النهاية، تبقى المجتمعات بحاجة إلى مواجهة الواقع كما هو، لا كما يظهر في الصور. لأن إعادة الإعمار تبدأ بالاعتراف بحجم الخسارة، لا بتجميلها، ولأن المستقبل لا يُبنى على رواية بصرية وحدها، بل على معالجة الأسباب التي أوصلت إلى هذا الركام وعدم تكرارها، وعلى تحويل الاهتمام من صناعة صورة الانتصار إلى صناعة شروط الحياة الكريمة.