موتى لهم أسماء وآخرون مجرد أرقام

موتى لهم أسماء وآخرون مجرد أرقام

يبدو الحداد بشكلٍ عام تجربةً شخصية لا سلطان وتأثير للسياسة عليها، إلا أن الحزن، ما إن ينتقل إلى المجال العام، يصبح خاضعًا لمنظومة من التصنيف والاعتراف. فليست جميع الوفيات متساوية في حضورها؛ هناك موت يستدعي التوقف، وموت يمرّ بوصفه رقمًا، وضحية تُمنح اسمًا وصورةً وسيرة، وأخرى تُدفع إلى هامش الذاكرة. من هنا تنشأ “سياسة الحداد”: أي الآليات التي تحدد أيّ خسارة تستحق الاعتراف العام، وأيّ حزن ينبغي أن يبقى صامتًا.

لا تستطيع السلطة أن تمنع الإنسان من التألم، لكنها تستطيع التحكم في ظهور ألمه. فالدولة تقرر متى تنكّس الأعلام، والمؤسسات تعلن أيام الحداد، والأحزاب تختار ألقاب موتاها، ووسائل الإعلام تحدد أيّ ضحية تتصدر الأخبار وأيّها تُختزل في حصيلة رقمية. بذلك لا تكتفي اللغة بوصف الموت، بل تمنحه قيمةً وموقعًا داخل الذاكرة الجماعية.

تتضح هذه السياسة أكثر في زمن الحروب والانقسامات، حين تخضع الضحية لامتحان الهوية قبل الاعتراف بها: إلى أي جماعة تنتمي؟ من قتلها؟ وما الرواية التي يمكن أن يخدمها موتها؟ فإذا قُتلت على يد الخصم، اكتسبت اسمًا ورمزية؛ أما إذا قُتلت على يد جماعتها، فقد يصبح موتها واقعةً محرجة ينبغي إخفاؤها أو تبريرها. هكذا يُحتفى بميت بوصفه “شهيدًا”، بينما يُعامل آخر باعتباره “خسارة جانبية”، مع أن العائلتين تواجهان الغياب نفسه.

وقد تعيش عائلة الضحية خسارتين متزامنتين: خسارة الشخص، وخسارة الحق في رواية موته كما اختبرته. فإذا تعارضت روايتها مع الخطاب الرسمي أو الحزبي، تصبح مطالبتها بالحقيقة تهديدًا للجماعة، ويغدو الصمت شرطًا للقبول داخلها. وقد يُسمح لها بالحزن، ولكن ضمن قاموس سياسي مفروض: عليها أن تقبل اللقب الذي يُمنح لفقيدها والتفسير الذي يُقدَّم لموته. عندها ينتقل الميت، رمزيًا، من عائلته إلى الجماعة، ويصبح مادةً لإثبات البطولة أو المظلومية أو صواب القضية.

في لبنان، تظهر هذه السياسة في تعدد سجلات الموت والذاكرة. فلكل جماعة شهداؤها وتواريخها وروايتها الخاصة عن الضحية والجلاد. لم تنتج الحروب المتعاقبة ذاكرة وطنية تستوعب آلام الجميع، بل حدادات متوازية؛ يعرف الفرد أسماء موتى جماعته وتفاصيل حيواتهم، فيما تبقى خسارات الآخرين أرقامًا بعيدة أو وقائع موضع إنكار. وهكذا لا ينقسم اللبنانيون حول تفسير الموت فقط، بل حول مَن يستحق أن يُحزن عليه.

غير أن الاعتراف المتساوي بحق الحزن لا يعني المساواة بين جميع الأفعال السياسية، ولا إلغاء الفرق بين المعتدي والمعتدى عليه. فالعدالة تقتضي تحديد المسؤوليات، لكن الاعتراف بإنسانية الخسارة يختلف عن تبرئة المواقف. يمكن إدانة مشروع سياسي أو عسكري، وفي الوقت نفسه الاعتراف بألم العائلات التي فقدت أبناءها بسببه. كما يمكن رفض تحويل الميت إلى رمز من دون إنكار حق أحبائه في رثائه.

إن أخطر أشكال سياسة الحداد هو ذلك الذي يفرض على الإنسان اختبار ولاء قبل أن يسمح له بالحزن. ففي المجتمعات المستقطبة، قد يصبح التعاطف مع ضحية من الجماعة الأخرى فعلًا مشبوهًا، وكأن الاعتراف بألمها خيانة للهوية. عندئذ يصبح الحداد معيارًا للانتماء، وتتحول إنسانية الضحية إلى امتياز تمنحه الجماعة أو تحجبه.

لا يملك أحد حق الحزن وحده، لكن القوى السياسية تستطيع احتكار لغته وصوره ومنابره. لذلك تصبح مقاومة الحداد الانتقائي فعلًا أخلاقيًا وسياسيًا: استعادة الميت من الاستخدام، والعائلة من الصمت، وتوسيع دائرة التعاطف لتشمل من لا يشبهنا. فالسؤال حول “من يملك حق الحزن؟” يقود في النهاية إلى سؤال أكثر جوهرية: من نعترف بإنسانيته كاملةً، حتى عندما لا ينتمي إلى جماعتنا؟