21 Aug 2026
Like this post
في تكرار الصدمة الجماعية، وإخفاق العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد الاستبداد
كنت أظن أن للكارثة سقفاً.
أن الإنسان حين يرى أباه ميتاً تحت التعذيب، يكون قد دفع حصته كاملة من هذا البلد، ومهما جاء بعد ذلك، فلن يُطلب منه أن يدفعها مرة ثانية.
كنت مخطئاً.
منذ أيام، مرّت أمامي صورة شاب خارج لتوّه من سجن. توقفتُ عندها طويلاً، بلا أن أعرف لماذا. لم أعرف الشاب. لم يكن أبي. لم يحمل اسمه، ولا ملامحه، ولا دمه.
ومع ذلك، عرفتُ الجسد.
عرفتُ ذلك الهزال الذي لا يصنعه الجوع وحده، بل الإذلال الممنهج. عرفتُ الوجه الذي يبدو كأن يداً محت منه الحياة ببطء، سنةً بعد سنة. عرفتُ العينين العائدتين من مكانٍ لا يعود منه الإنسان كما دخله.
في تلك اللحظة، لم أكن أنظر إلى غريب.
كنت أنظر إلى أبي، من جديد.
ثم، بعد أيام قليلة فقط – بينما كنت أظن أن المشهد سيرتاح قليلاً قبل أن يتكرر – تكرر. لكن هذه المرة لم يكن خروجاً. كان جنازة. محمد حسام الدين غميرة، من مدينة اللاذقية، دخل قسم شرطة الحفة على قدميه، وخرج منه محمولاً على الأكتاف. لا هزالٌ هذه المرة تراكم على سنوات، بل كدماتٌ تراكمت على أيام قليلة، كانت كافية لإنجاز المهمة نفسها التي استغرقت مع أبي أشهراً. السرعة تغيّرت. النتيجة لم تتغيّر.
فهمتُ حينها أن السؤال الذي ظننته بلاغياً – كم مرة يجب أن أرى أبي ميتاً؟ – كان، في الحقيقة، سؤالاً إحصائياً. له عدّاد. والعدّاد لا يتوقف.
الصدمة لا تُختبر مرة واحدة
في أدبيات علم النفس السريري، يُعرف هذا النمط بوضوح: الصدمة لا تُستدعى بوصفها ذكرى تُروى، بل بوصفها حدثاً يُعاش من جديد كلما توفّر محفّز حسّي يشبه المصدر الأصلي — وجه، جسد، وضعية جسد، نبرة صوت.
هذا ما يفسر أن رؤية جسدٍ لا أعرفه يمكن أن تنتج تجربة موتٍ فعلية، لا استعارية، لأب فارق الحياة منذ سنوات.
الصدمة الجماعية، على مستوى مجتمعٍ بأكمله، تعمل بالمنطق نفسه: كل ضحية جديدة لا تُقرأ كحادثة منفصلة، بل كإعادة تفعيل لذاكرة جمعية لم تُغلق ملفاتها.
حتى حين يتغيّر القامع…
إن أردنا فهم كيف يُعاد إنتاج الجريمة نفسها بأيدٍ مختلفة، فلا حاجة لنظرية معقدة؛ يكفي أن نقرأ اللغة التي تُروى بها كل حالة، بصرف النظر عمّن يكتبها. فلنقرأ إذن القاموس الذي لا يُدرَّس في المدارس – القاموس الذي وُلد مع النظام القديم، ولم يمت بموته:
التحقيق: أن يتكلّم جسدُك نيابةً عن لسانك، بعدما تأكدوا أن لسانك لن يقول ما يريدون سماعه.
قسم الشرطة: المكان الوحيد في البلد الذي يُنجز تحويل “التوقيف للاستفسار” إلى حجزٍ في ثلاجة الموتى خلال أسبوع، من دون محطة وسطى اسمها المحاكمة.
تقرير الطب الشرعي: وثيقةٌ يوقّعها طبيبٌ يعرف الحقيقة ويكتب غيرها، لأن يده – هي الأخرى – تحت التحقيق إن أخطأت في اختيار الكلمة.
ذوو الضحية: تعبيرٌ يُستخدم بعد التسليم مباشرة، إذ يكفي أن تستلم الجثة كي تُصبح “ذا حق”، أما قبل التسليم فأنت مجرد “مراجعٍ” يُطلب منه الانتظار في الممر.
اللجنة التي ستُشكَّل: تجمّعٌ من الأسماء اللائقة، مهمّتها الوحيدة أن تجتمع مرّة واحدة كي لا تُضطر للاجتماع مرّة ثانية.
الملف: يُفتح باسم الضحية، ويُغلق باسم “المصلحة العامة”، وبين الفتح والإغلاق يختفي الفاعل تماماً، كأن الملف كتب نفسه بنفسه.
سوريا الجديدة: بلدٌ غيّر توقيت الأذان فوق الأقبية، ونسي أن يُخطر أحداً بأنه نسي تغيير الأقبية نفسها.
هذا القاموس لم يُكتب مرة واحدة، بل يُعاد كتابته في كل مرة، بخط يدٍ مختلف، وحبرٍ من لون آخر أحياناً، لكن بالمعنى نفسه تماماً. وهذا، أكثر من أي إحصاء، هو الدليل على أن ما سقط لم يكن سوى واجهة، بينما بقي الهيكل خلفها منتصباً، بانتظار مَن يسكنه.
حين يُختزل الانتصار إلى تغيير في الفاعل
في تجارب انتقالية مقارنة — من أميركا اللاتينية إلى أوروبا الشرقية وجنوب أفريقيا — تكرر نمط شبيه: سقوط النظام القمعي شرطٌ ضروري للعدالة، لكنه غير كافٍ بذاته. ما يحدد نجاح الانتقال أو فشله ليس لحظة السقوط، بل ما يليها مباشرة: هل تُفكَّك البنية المؤسسية التي أنتجت الانتهاك (أجهزة الاعتقال، ثقافة الإفلات من العقاب، منطق “الغاية تبرر الوسيلة”)، أم يُعاد توظيفها بيدٍ جديدة؟
حين يبقى فعل الانتهاك ممكناً، ويتغيّر فقط من يُمارسه ومن يقع عليه، فإن ما تحقق ليس عدالة انتقالية، بل ما يمكن تسميته “دورة انتقام متبادلة”: الضحية السابقة تتحول إلى فاعل محتمل، والجلاد السابق إلى ضحية محتملة، بينما تبقى آلية الفعل — الزنزانة، الإذلال الجسدي، تجريد الخصم من إنسانيته — سليمة تماماً، بانتظار من يستخدمها.
حين يتحول الاستبداد إلى عادة
بعد كل هذا، فهمتُ شيئاً كنت أرفض تصديقه: أن الاستبداد لم يكن يوماً رجلاً واحداً، ولا نظاماً واحداً، ولا زنزانةً واحدة.
كان، وما زال، شيئاً أعمق من ذلك. شيئاً دخل إلى الداخل.
طريقةً في النظر إلى “الآخر” باعتباره أقل استحقاقاً للرحمة.
طريقةً في تبرير الألم، ما دام يقع على ظهر من لا ننتمي إليه.
طريقةً في الصمت، حين لا تكون الضحية “منّا”.
ولعل أدقّ وصفٍ لهذا “الدخول إلى الداخل” ليس في الجلاد الاستثنائي، بل في الجلاد العادي: ذاك الذي يؤدّي عمله بانضباط، يوقّع دوامه، ثم يعود إلى بيته ليُقبّل أطفاله بالأيدي نفسها، من دون أن ترتجف. هو ليس وحشاً – الوحش لا يملأ استمارة، ولا يحتاج تسويغاً لصحفي بعد أشهر من التحقيق. هو موظف. والفعل عنده تحوّل إلى مهارة، والمهارة لا تُصاب بالكابوس. هذه، برأيي، هي الجريمة الأعمق التي لا يراها أي تقرير رسمي: ليست أن يداً ضربت، بل أن يداً ضربت ثم عادت إلى الحياة العادية من دون أن ترتجّ، بينما بيتٌ بأكمله – بيتي، وبيت غميرة، وبيوتٌ لن تُحصى – لم يعد إلى الحياة العادية أبداً.
وهذا، بالنسبة لي، أخطر من أي سجن.
لأن أبواب السجون يمكن أن تُفتح.
أما السجن الذي يسكن الضمير، فقد يحتاج أجيالاً كاملة كي يُهدم من الداخل.
حدود التعاطف الجمعي
يُظهر البحث في علم النفس الاجتماعي أن التعاطف الإنساني نادراً ما يكون كونياً بالفطرة؛ بل يُفعَّل بقوة أكبر تجاه من نصنّفهم ضمن “الجماعة”، ويتراجع بشكل ملحوظ تجاه من نضعهم خارجها. هذا ليس عذراً، بل تشخيصاً: الانتقال من نظامٍ قمعي إلى مجتمعٍ عادل لا يتطلب فقط تغيير من يحكم، بل إعادة بناء دائرة “من يستحق تعاطفنا” لتشمل الجميع، بصرف النظر عن الانتماء أو الموقف السياسي أو حتى الذنب المفترض. وحين تبقى هذه الدائرة ضيقة، يصبح الإفلات من العقاب — لا غيابَ القانون فقط، بل غيابَ الاستهجان الاجتماعي نفسه — هو الأرض الخصبة التي تُعاد فيها زراعة الاستبداد.
هذه هي الهزيمة التي لا أستطيع ابتلاعها: أن ينتصر الناس على جلادٍ واحد، ثم تبقى بينهم القابلية الكاملة لصناعة جلادٍ آخر. أن نكره السوط عقوداً طويلة، ثم لا نكرهه حقاً إلا حين يقع على ظهورنا نحن تحديداً. أن نحفظ أسماء موتانا عن ظهر قلب، ثم نعجز عن رؤية ميتٍ جديد إن لم يكن من جماعتنا.
الصمت الذي يرعبني أكثر من الصورة
ما يخيفني اليوم ليس الصورة وحدها.
بل الصمت من حولها.
صمتٌ يوحي بأننا لم نملأ المقابر بعد. بأن أمهاتٍ سوريات لم ينتظرن بما يكفي على أبواب السجون والمشافي والمقابر الجماعية. بأن آلاف الصور، التي مرّت أمام أعيننا خلال هذه السنوات، لم تكفِ. كأننا نحتاج دائماً إلى جثةٍ جديدة كي نتذكّر، ثم ننساها، فنحتاج إلى جثةٍ أخرى.
وهذا النص الذي تقرؤونه الآن ليس تقريرهم. تقريرهم يُفتح ليُغلَق. هذا النص يُفتح كي يبقى مفتوحاً، يُعاد فتحه في كل مرة يُقرأ، لأن الغلق – في قاموسهم – وظيفةٌ إدارية، وفي قاموسي خيانة لكل من لم يُغلق جرحه بعد.
قلنا إن الشعب انتصر.
قلنا إن الثورة انتصرت.
قلنا إن زمناً بأكمله انتهى، وأن زمناً آخر بدأ.
فلماذا، إذن، ما زلتُ أعرف هذا الوجه؟
لماذا ما زال هذا الجسد مألوفاً إلى هذا الحد؟
ما لا أطلبه، وما أطلبه
لن أطلب من هذا البلد أن يعيد لي أبي. أعرف جيداً أن الموت لا يُعيد أحداً.
لكنني أطلب شيئاً، أقل استحالةً بقليل:
ألّا تجعلوني أراه يموت مرة أخرى.
ولن أطلب اعتذاراً، فالاعتذار طقسٌ لمن يعترف أنه أخطأ، وهم لم يخطئوا في نظر أنفسهم: فعلوا بالضبط ما دُرِّبوا عليه. ما أطلبه أصعب من الاعتذار بكثير: اسم. اسمٌ واحد صريح، برتبته الحقيقية، مكتوبٌ على كل تقرير تشريح بدل عبارة “عناصر الأمن الداخلي” التي تبتلع كل الأيدي في جملة واحدة مجهولة. أعطوني اسماً واحداً حقيقياً – لملف غميرة، أو لذاك الذي أحمله أنا منذ سنوات – وسأتوقف عن كتابة هذا السؤال.
إلى أن يحدث ذلك:
لا في جسد شابٍ عرفتُ اسمه هذه المرة، ولن أنساه: محمد حسام الدين غميرة.
لا في عينَي أمٍّ أخرى تبحث عن ابنها بين الأحياء والأموات.
لا في صورةٍ جديدة نتداولها يومين، ثم ننساها في اليوم الثالث كأن شيئاً لم يكن.
كفى.
لقد رأيت أبي ميتاً بما يكفي.
وأظن أن سوريا كلها رأت أبناءها موتى بما يكفي أيضاً.
فماذا كان معنى كل هؤلاء الموتى؟
إن كان كل هذا الدم — كل هذه السنوات، كل هذه الزنازين، كل هذه الأمهات المنتظِرات — لم يعلّمنا أن كرامة الإنسان لا طائفة لها ولا لون ولا انتماء؛
وأن التعذيب لا يصبح أقل وحشية لمجرد أن مَن يمارسه هو مَن انتصر؛
وأن المظلوم لا يحتاج إلى إذنٍ من جماعتنا كي يستحق غضبنا؛
فماذا كان معنى كل هؤلاء الذين ماتوا؟
وإذا كان الشاب الذي يُسحق اليوم أمام أعيننا، بصورةٍ واحدة، لا يهزّ فينا شيئاً —
فلا تقولوا لي إن الثورة انتصرت.
قولوا فقط الحقيقة كما هي:
تغيّر المنتصرون، وبقي الإنسان السوري ينتظر دوره في الألم.
ما تتطلبه العدالة لا الانتقام
إذا كان هناك درس واحد تُخلص إليه هذه الشهادة، فهو أن العدالة الانتقالية الحقيقية لا تُقاس بعدد من يُحاسَبون من الجهة “الخاسرة”، بل بقدرة المجتمع على منع تكرار الجريمة نفسها، أياً كان مرتكبها. هذا يستدعي، عملياً، ثلاثة شروط لا غنى عنها: تفكيك البنية المؤسسية القادرة على ممارسة الاعتقال التعسفي والتعذيب — لا نقل ملكيتها فحسب؛ إخضاع كل انتهاك للمساءلة القانونية بمعزل عن هوية مرتكبه أو انتمائه؛ وتوسيع دائرة التعاطف المجتمعي لتشمل كل ضحية، بلا استثناء يقوم على الانتماء السياسي أو الطائفي أو الجهوي.
بلا هذه الشروط، يبقى “الانتصار” حدثاً سياسياً فارغاً من مضمونه الأخلاقي: تغييرٌ في الأسماء، لا في البنية.
مات أبي، كما أحببتُ أن أصدّق، ليكون آخر الآباء الذين يُقتلون على هذا النحو. لكنه لم يكن الأخير. ومات محمد حسام الدين غميرة بعده، في قسم شرطة، تحت سلطةٍ غيّرت اسمها لا أفعالها. وطالما بقي هذا صحيحاً، فلن أتوقف عن السؤال: كم مرّة، بعد؟