جيوش الذباب الإلكتروني 

جيوش الذباب الإلكتروني 

وجه العصر الرقمي الخفي

في عصر التواصل الرقمي، برز ما يُعرف بـ”الذباب الإلكتروني” كظاهرة جديدة تستخدمها الدول لتحقيق مصالحها في الساحة الدولية. والمقصود بالذباب الإلكتروني تلك الجيوش من الحسابات الوهمية أو المؤتمتة (البوتات) التي تنشط عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتعمل بشكل منسق لخدمة روايات معينة. تجاوز الأمر في طبعيته بُعد النشاط العفوي لمستخدمين عاديين وتحوّل إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية تعتمدها الحكومات، ديمقراطية كانت أم سلطوية، للتأثير في الرأي العام أثناء الأزمات والأحداث المفصلية. فعلى سبيل المثال، أشار تقرير لمنظمة REAL INSTITUTO ELCANO الإسبانية إلى أن حملة التضليل الروسية قبيل الانتخابات الأمريكية 2016 وصلت إلى أكثر من 150 مليون أمريكي عبر منصات فيسبوك وتويتر وغيرها، وهو رقم يفوق بثماني مرات مشاهدي نشرات الأخبار المسائية في أبرز القنوات الأمريكية في ذلك العام. وبات واضحا أن الذباب الإلكتروني ليس مجرد ظاهرة جانبية على هامش السياسة، بل سلاح رقمي جديد له تداعيات خطيرة على استقرار المجتمعات والنظام الدولي. فهو يمثل امتدادا لجهود البروباغندا التقليدية ولكن بأدوات أكثر اختراقا وانتشارا. 

نسعى من خلال هذا المقال التحليلي إلى التطرق لفكرة مفادها أن استخدام الذباب الإلكتروني قد انتقل من كونه ظاهرة عرضية إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية للدول تسعى إلى صناعة سرديات وخلق الروايات مضادة أثناء الأزمات. سنناقش هذا الطرح من منظور يجمع بين البُعدين الأكاديمي والأخلاقي في إطار تحليل يستند إلى مدارس العلاقات الدولية (الواقعية والبنائية) لفهم دوافع هذه الظاهرة وتداعياتها.

من الدعاية إلى الذباب الإلكتروني: تطور أداة التأثير

لم يكن سعي الدول للتأثير في الرأي العام العالمي وليد اليوم، فلطالما استُخدمت الإذاعات والبث الدعائي أثناء الحرب الباردة، والصحف أثناء الحروب العالمية، وغيرها من وسائل البروباغندا التقليدية، لتحقيق مكاسب جيوسياسية. الجديد في القرن الحادي والعشرين هو الفضاء الإلكتروني الذي أتاح منصات مفتوحة وشبه مجانية للوصول إلى جماهير الخصوم والحلفاء على حد سواء التي تحولت إلى ساحات معارك غير مرئية بلا دخان ولا دوي مدافع (ما سمّاه أحد الكتّاب “حرب بلا دخان”) لكن بتأثير أشد وأوْسع. فقد غدت هذه المنصات مُكوّنا أساسيا من مكونات المشهد الأمني الوطني لأي دولة، سواء كانت فقيرة أم غنية، ديمقراطية أم شمولية. وشأنها شأن الإعلام الرسمي المؤسسي الذي يُعدّ أداة استراتيجية، أصبحت الشبكات الاجتماعية اليوم سلاحا ذا حدين يمكن تسخيره لـلدفاع عن الصورة الوطنية أو لهدم استقرار الخصوم وفق نوايا مستخدميه.

تقنيات الذباب الإلكتروني تُمثل الجيل الجديد من حرب المعلومات. في تقرير نشرته كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي في عام 2025، أشار إلى أن روسيا تَتَّبِع ما يسمى الحرب الهجينة التي تُعرّف بأنها “جهد يهدف إلى تشكيل البيئة العالمية بشكل رئيسي عبر التلاعب بالمعلومات” لخدمة مصالحها الدولية. أي أن المعلومات نفسها أصبحت ميداناً للصراع، بحيث تُستخدم الأكاذيب والتضليل كسلاح لاختراق سيادة الدول من الداخل. وقد وصف باحثون هذا الأسلوب بمفهوم “القوة الحادة” (SHARP POWER)، وهي غير القوة الناعمة القائمة على الجذب، ولا القوة الصلبة القائمة على الإكراه، بل قوة اختراقية تعتمد التضليل والتلاعب لاختراق البيئات السياسية والإعلامية للدول المستهدفة. وتهدف هذه القوة، حسب مقال نشرته مجلة FOREIGN POWERS الأمريكية، إلى “ثقب واختراق البيئات السياسية والمعلوماتية في الدول المستهدفة”، الأمر الذي يؤدي إلى تقويض نسيجها السياسي والاجتماعي من الداخل خدمة للمصالح الاستراتيجية للدولة المهاجِمة. بعبارة أخرى، ما كان يتم عبر الجواسيس والمنشورات السرية في الماضي، بات يُنجز اليوم بضغطة زر عبر جيش من الحسابات الوهمية التي تنشر سيلاً من المعلومات المضللة.

يتميز الفضاء الرقمي عن وسائل الإعلام القديمة بسرعته الهائلة وانتشاره الأفقي. إذ يمكن لمنشور مزيف أو وسم (هاشتاغ) مُحرَّض أن ينتشر عالميا خلال ساعات قليلة. وتعتمد الدول على ما سمّاه خبراء حروب المعلومات أسلوب “خرطوم الأكاذيب” أو FIREHOSE OF FALSEHOODS في المنصات الرقمية، حيث يتم ضخُ كمٍّ هائل من الأخبار الزائفة والنظريات المؤامراتية والمحتويات الاستفزازية خلال فترة وجيزة وبكمية كبيرة. الهدف ليس إقناع الجمهور برواية واحدة متماسكة، بل إرباكه وإغراقه بتفسيرات متعددة ومتضاربة حتى يفقد الثقة في مصادر الأخبار كلها. فطبيعة عمل الذباب الإلكتروني تتمثل في أنه “لا يُقدم سردية واحدة، بل يضخ روايات متضاربة، تزرع الشك وتُغرق الجمهور بتعدد التفسيرات، فتُصبح الحقيقة ضحيةً بين التشكيك الممنهج والتكرار المضلل”. وهكذا يتحقق الهدف المتمثل في خلق ضباب فكري يحجب الحقيقة ويجعل الجمهور حائرا بين روايات مختلفة، ما يسهل على الدولة المهاجِمة تمرير أجندتها أو على الأقل إضعاف موقف خصومها.

صناعة السردية المضادة في أوقات الأزمات

تظهر فاعلية الذباب الإلكتروني بوضوح خلال الأزمات السياسية والأمنية، أي حين تحتدم المعركة حول كسب العقول وترويضها. تسعى كل جهة، في هذا السياق الحساس، إلى صياغة سرديتها الخاصة حول الحدث وإقناع الجمهور بها. وعندما تكون الرواية السائدة في الإعلام أو لدى الرأي العام لا تخدم مصلحة دولة معينة، تلجأ تلك الدولة إلى بناء “سردية مضادة” عبر الفضاء الرقمي، مستخدمة جيوشها الإلكترونية لإعادة تشكيل الوقائع في الوعي الجماعي. يُشكّل التدخل الروسي في الانتخابات الغربية مثالاً بارزاً في هذا الصدد. خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016، لم تكتفِ روسيا برواية مضادة واحدة، بل استخدمت كل منصة اجتماعية كبرى لنشر صور وفيديوهات ورسائل مصممة وفق أذواق فئات مختلفة من الناخبين الأمريكيين. فبينما كانت السردية السائدة في الإعلام التقليدي تنتقد المرشح “الموالي” لروسيا (دونالد ترامب) أو تحذر من التدخلات الأجنبية، دفع الذباب الإلكتروني الروسي بسرديات بديلة، إذ ركزّ على توزيع أخبار كاذبة عن فساد المرشحة المنافسة أولاً، ترويج نظريات مؤامرة حول عملية التصويت ثانياً، وحشد دعوات انفصالية ثالثاً، بالإضافة إلى تأجيج قضايا عرقية وثقافية لتقسيم الناخبين. ونجحت هذه الحملة إلى حد بعيد في تسميم الأجواء السياسية الأمريكية وجعل شريحة واسعة من الجمهور مشوشة ومتعاطفة مع الطرح الروسي أو فاقدة للثقة بالمؤسسات الإعلامية التقليدية. وبنفس الأسلوب، استهدفت الحملات الروسية دولاً أوروبية. ففي استفتاء بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، وفي أزمة استقلال كتالونيا بإسبانيا 2017، وحتى خلال احتجاجات “السترات الصفراء” في فرنسا 2018، رُصدت شبكات تابعة لروسيا تُضخّم الخلافات الداخلية وتؤجج خطاب الكراهية بهدف إضعاف استقرار تلك الدول. إذ حاولت موسكو فرض روايتها المضادة التي تشكك في جدوى الاتحاد الأوروبي أو تصف حكومات بعينها بالاستبداد في مواجهة الرواية الأوروبية الرسمية حول التضامن والوحدة. 

ومن الأمثلة الجلية أيضا لدور الذباب الإلكتروني في تأجيج الصراعات الأهلية تلك المتعلقة بالحرب السورية التي تحوّلت إلى ساحة مفتوحة لللاعبين الخارجيين والمحليين لبث رواياتهم عبر الإنترنت. فغياب خطاب وطني موحّد في مرحلة ما بعد 2011 في سوريا فتح المجال أمام تنافس على صياغة الرواية البديلة، فدخلت على الخط قوى داخلية وخارجية عبر حملات رقمية لتشكيل قصة الصراع حسب مصالحها. هنا برز الذباب الإلكتروني كمشروع مضاد يُشوّه الحقائق ويبني “رواية نقيضة” تنسف إمكانية التفاهم الوطني. لم يقتصر الأمر على تبرير أفعال هذا الطرف أو ذاك، بل تجاوزها إلى حدّ تأجيج الصدامات الطائفية والعرقية وتحويل النزاع السياسي إلى صراع هوياتي حاد. استغل المضلّلون ذاكرة الألم الجماعي والمظالم التاريخية لبث الكراهية، فبات الطرف الآخر يُصوَّرُ كعدو وجودي وليس مجرد خصم سياسي. قُسم الشعب إلى روايات متصارعة وكل رواية تعادي الأخرى وتراها تجسيداً للشر المطلق. بهذه الطريقة، أصبحت الوحدة الوطنية ضحية للتلاعب الرقمي، وأفضت هذه الاستراتيجية إلى سيادة جوّ مشحون يقوّض أي بدائل للحل ويمنع حتى تخيّل إمكان التعايش أو التسوية. 

ولا تقتصر حالات استغلال هذه الأدوات على روسيا وسوريا فقط، إذ شهدنا الصين خلال جائحة كورونا، مثلا، تستخدم وسائل التواصل العالمية لبث روايات مضادة عن منشأ الفيروس ومسارحه، في محاولة لدرء اللوم عنها وتوجيه أصابع الاتهام للولايات المتحدة وجهات أخرى. وبحسب تقرير صادر عن حلف الناتو عام 2025، فإن الصين كثّفت حملات التضليل خلال وبعد الجائحة لاستهداف دول التحالف الغربي، بهدف زعزعة الثقة وإضعاف مواقف تلك الدول خدمة لمصالح بكين. فبالتوازي مع ترويج روايات تمجّد استجابة الصين للجائحة، عملت حسابات مرتبطة ببكين على نشر نظريات المؤامرة (مثل أن الفيروس سلاح بيولوجي أمريكي) وتسليط الضوء على إخفاقات الحكومات الغربية في احتوائه. في مقابل تحسين صورة الصين، سعت هذه السرديات المضادة إلى تشتيت الانتباه عن أي نقد دولي لها وإضعاف جبهة الخصوم عبر إثارة الجدل داخل مجتمعاتهم. وفي بعد تنسيقي ثنائي، يشير التقرير نفسه إلى أن بكين تعاونت مع موسكو في بعض تكتيكات التضليل، ما جعل الشائعات والمعلومات الكاذبة تنتشر أسرع وأبعد من أي وقت مضى.

وليست هذه الظاهرة حكرا على القوى الكلاسيكية الدولية، فقد استخدمت دول عدة في منطقة الشرق الأوسط جيوشاً إلكترونية لتشكيل سرديات مضادة أثناء الأزمات الخليجية وحروب النفوذ. على سبيل المثال، خلال أزمة حصار قطر 2017، تبادلت أطراف الأزمة اتهامات بشأن تجنيد كتائب إلكترونية على تويتر وفيسبوك لتشويه صورة الطرف الآخر أمام الرأي العام العربي والدولي. وليس غربياً أن تعبير “الذباب الإلكتروني” ذاع صيته أولًا في سياق انتقاد حملات التضليل المنسوبة لبعض الأنظمة العربية ضد معارضيها. وقد أكد تقرير لمركز POYNTER الأوروبي أن أسلوب روسيا في ضخّ الأكاذيب بشكل فيضان إعلامي (“FIREHOSE OF FALSEHOODS”) ألهم دولاً أخرى مثل إيران والسعودية وكوريا الشمالية وحتى الفلبين لتبني تكتيكات مشابهة. أي أن نموذج صنع السردية المضادة بات مستنسخا عبر حكومات متنوعة تسعى لحماية مصالحها أو توسيع نفوذها الإقليمي باستخدام الأدوات الرقمية.

سلاح بيد الجميع؟

قد يظن البعض أن حرب المعلومات عبر الذباب الإلكتروني هي سمة حصرية للأنظمة “الاستبدادية” التي لا تتورع عن استخدام أي وسيلة كيفما كانت طبيعتها، بيد أن الواقع يكشف أن الدول الديمقراطية قد تورطت أيضاً في هذه اللعبة وإن اختلفت المبررات والأساليب. فقد نشرت جامعة أوكسفورد دراسة قد يجدها البغض غريبة مفادها أن الدول الديمقراطية متورطة في حملات التلاعب بالرأي العام عبر وسائل التواصل بوتيرة تفوق نظيراتها السلطوية. قد يبدو الأمر مفاجئاً في الوهلة الأولى، لكنه قد يُفسَّر بأن الديمقراطيات تسعى عادةً للحصول على “القبول الشعبي” لسياساتها، ما يدفعها إلى استخدام أساليب غير مباشرة للتأثير في الرأي العام، أي أن ديمقراطيات اليوم، رغم التزامها العلني بقيم الشفافية، تغوص في مستنقع التضليل على نحو مبطّن للحفاظ على التأييد الشعبي أو توجيه النقاش العام في الداخل والخارج.

على مستوى السياسة الخارجية تحديداً، ظهرت أدلة على عمليات سرية قادتها دول غربية لتشكيل السرديات في دول أخرى. فعقب الإطاحة بالرئيس البوليفي إيفو مورالس أواخر 2019، وهو حدث رحبت به بعض الحكومات الغربية، انتشر على تويتر وسم “#BOLIVIANOHAYGOLPE” (لا يوجد انقلاب في بوليفيا) في محاولة لإقناع العالم بأن ما حدث ليس انقلاباً عسكرياً. وقد كُشف لاحقاً أن نحو ثلث الحسابات التي روجت لهذا الوسم قد تم إنشاؤها في يوم الانقلاب ذاته، ما يدل على عملية منسقة لتوليد “تأييد شعبي مزيف” للنظام الجديد. وبالمثل، أظهرت تقارير استخباراتية أن بعض الوكالات الغربية قامت بأنشطة إلكترونية سرية في دول خصمة (كإيران مثلاً) لنشر محتوى معارض أو داعم لانتفاضات شعبية، وإن كانت التفاصيل شحيحة في هذا الصدد بسبب سريتها العالية.

وحتى على الصعيد العسكري الأمني، أسست بعض الديمقراطيات وحدات متخصصة في حروب المعلومات. أطلقت الولايات المتحدة، مثلاً، برنامج “عملية الصوت الصادق” (OPERATION EARNEST VOICE) والذي ظهر أنه برنامج سري للبنتاغون يستخدم شخصيات وهمية (SOCK PUPPETS) لنشر دعاية موالية لأمريكا على مواقع التواصل في دول الشرق الأوسط وجنوب آسيا. إذ وقع الجيش الأمريكي عقدا بملايين الدولارات مع شركة تقنية لتطوير برمجيات قادرة على إدارة عدد كبير من الحسابات الوهمية بهويات مقنعة (من حيث الخلفية الثقافية واللغة) تَظهر وكأنها لمواطنين حقيقيين من تلك الدول. الهدف المعلن كان مواجهة دعاية التنظيمات المتطرفة عبر بث رسائل مضادة تدعم خطابا معتدلاً مواليا للغرب. لكن في المحصلة، تبقى النتيجة واحدة. بعبارات أوضح، دولة ديمقراطية تستخدم حسابات زائفة للتأثير على وعي جمهور أجنبي وتوجيهه نحو سردية تخدم مصالحها. وإذا كانت واشنطن بررت ذلك بمكافحة الإرهاب، فإن هذا لم يمنع أن تُتهم لاحقاً بممارسة التضليل نفسه الذي تنتقد خصومها عليه، وإن كان بدوافع مختلفة.

ولم تعد الظاهرة مقتصرة على الحكومات وحدها في الديمقراطيات، بل دخل على الخط أيضاً فاعلون حزبيون وغير حكوميين يوظفون التقنية للتأثير في النقاش العام. في ألمانيا مثلاً، استعان حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) اليميني المتطرف بشركات تسويق رقمي مرتبطة بالولايات المتحدة لتصميم حملة تواصل اجتماعي موجهة للناخبين الألمان عام 2017. قامت هذه الحملة باستغلال بيانات فيسبوك لبناء نماذج شخصية وتحديد فئات قابلة لتلقّي خطاب الحزب، ثم استُهدفوا بإعلانات مكثفة مصممة خصيصاً لهم. المفاجأة أن الحزب قد ضمن مقاعدا بالبرلمان الألماني بنسبة تصويت لافتة، في ما اعتُبر دليلاً على قوة التلاعب الرقمي حتى في أعرق الديمقراطيات. ورغم أن هذه الحالة تخص فاعلا سياسيا محليا، إلا أنها تؤكد أن بيئة التواصل الاجتماعي أضحت ساحة مفتوحة لكل الأطراف لاستغلالها، حكومية كانت أم غير حكومية، مما يُصعِّب التمييز بين الحقيقة والتضليل. وبسبب طابعها المجهول، قد يصعب على الشخص العادي التفريق بين الرأي العام الحقيقي وبين ما هو نتاج جيوش إلكترونية موجهة.

بين الواقعية والبنائية: تحليل الظاهرة نظرياً

لفهم ظاهرة تسليح السرديات عبر الذباب الإلكتروني، يمكننا الاستعانة  بالمدرسة الواقعية (REALISM) والمدرسة البنائية (CONSTRUCTIVISM) في حقل العلاقات الدولية. كل منهما تُلقي ضوءا مختلفا على الدوافع والآثار المترتبة على استخدام الدول للجيوش الإلكترونية في سياستها الخارجية.

وفق المنظور الواقعي الكلاسيكي، الدولة كيان عقلاني يسعى بشكل أساسي إلى تعظيم قوته وتأمين مصالحه في بيئة دولية تنافسية. ومن هذا المنطلق، يصبح الذباب الإلكتروني سلاحا جديدا في ترسانة أدوات القوة الشاملة للدولة. الواقعيون يرون أنه كما استخدمت الدول عبر التاريخ الدعاية والإذاعات والجواسيس لخدمة مصالحها في المنافسة العالمية، فإن استخدام حسابات مزيفة على الإنترنت اليوم لا يختلف جوهريا، إذ أنه امتداد تكنولوجي لصراع القوة. فالدول تلجأ إلى هذه الأساليب لأن كلفتها منخفضة نسبيا ومردودها عال، خاصة ضد خصوم أقوى عسكريا أو اقتصاديا. فهي حرب غير متماثلة تمنح الدول الأضعف نسبيا قدرة على إضعاف استقرار أقوى خصومها دون إطلاق رصاصة واحدة. فمثال روسيا، رغم أنها ليست دولة ضعيفة، يُظهر كيف يمكن لأداة معلوماتية أن تخترق المجتمعات الغربية وتقسمها، مما يحقق هدفا استراتيجيا واقعياً يتمثل في إضعاف جبهة الخصم وتقليل تهديده. فبدل استخدام الدبابات والصواريخ، تستطيع دولة ما توظيف آلاف الحسابات الوهمية كسلاح استراتيجي يحدث فوضى سياسية داخل دولة منافسة باعتباره نوعاً من القوة التخريبية التي قد تعادل تأثير “أسلحة الدمار الشامل”، لكن في الحياة الافتراضية لا الواقعية. 

بالمقابل، تُبرز النظرية البنائية جانباً مختلفاً بالتركيز على دور الأفكار والسرديات في تشكيل الواقع السياسي. وفق هذا المنظور، ليست القوة المادية وحدها هي ما يحدد النتائج، بل ما يؤمن به الناس وتتصوره المجتمعات من روايات وقيم. لذا، فإن المعركة عبر الذباب الإلكتروني هي في جوهرها معركة على الوعي والقناعات. الدول التي تنخرط في حروب السرديات تحاول إعادة صياغة الهوية الاجتماعية وصناعة واقع بديل يخدم مصالحها. فالبنائية ترى أن الواقع الدولي ليس مجرد حقائق موضوعية، بل هو تشكيل اجتماعي عبر الخطابات والإدراكات الجماعية. وعندما تقوم دولة بترويج رواية (سواء كانت صادقة أو كاذبة)، فهي تحاول إعادة تعريف الموقف في أعين الجمهور المستهدف. فجعل الانقلاب يبدو وكأنه حركة ديمقراطية (كما في بوليفيا)، هو في الحقيقة إعادة تعريف للحدث بهدف شرعنته. أما تصوير احتجاجات شعبية على أنها مؤامرة خارجية هو أيضا تغيير لمعنى الحدث لمنع التعاطف معها. من هذا المنطلق، يصبح الذباب الإلكتروني أداة بنائية. فهو يعيد تشكيل تصور الناس لـ”الآخر”. فقد يقوم تحويل معارضة سياسية مشروعة إلى “خيانة وطنية” عبر حملة تخوين رقمية، أو تجميل صورة حليف قمعي بتحويله إعلامياً إلى ضحية مؤامرة خارجية. فكما سبق وذكرنا، سعت حملات التضليل في سوريا إلى إعادة تعريف الصراع على أسس طائفية، وحاولت الروايات الروسية عن الاتحاد الأوروبي تسويق فكرة أن تأطير مشروع التكامل الأوروبي يُشكّل تهديداً للسيادة الوطنية بدل كونه ضمانة للاستقرار. فالدول تدرك جيداً بأن من يُسيطر على السردية يسيطر عملياً على الواقع السياسي.

يجمع الواقعيون والبنائيون على أن الذباب الإلكتروني سلاح خطير، لكنه خطر بطرق مختلفة. فهو يهدد، عند الواقعيين، توازن القوى والأمن القومي الواقعيين حين تستخدمه دول معادية لإضعاف جبهة الداخل وزرع الفتن. أما عند البنائيين فهو يهدد أسس الحقيقة والثقة التي يقوم عليها النظام الدولي والتواصل الإنساني الطبيعي، عبر نشر الشك وتعميمه لدرجة يصبح معها التفريق بين الحقيقة والوهم مهمة شبه مستحيلة للمواطن العادي.

ضرورة الفهم الأعمق

مع تصاعد حروب السرديات الرقمية، تجد الدول والمجتمعات نفسها أمام تساؤل مصيري: كيف يمكن التصدي للذباب الإلكتروني دون التخلي عن قيم حرية التعبير والتدفق الحر للمعلومات؟ لقد بدأت بعض الحكومات بالفعل تطوير استراتيجيات مضادة. فعلى سبيل المثال، وضعت الاتحاد الأوروبي خطط عمل لمكافحة المعلومات المضللة وتعزيز التربية الإعلامية لدى الجمهور، كما أطلقت ألمانيا حملة #EUROPEUNITED للتصدي للروايات الكاذبة حول مشروع الاتحاد الأوروبي عبر نشر حقائق وأرقام إيجابية. 

ولكن قبل البحث عن الحل العَمَلي، يجب التفكير في نظيره الفكري الاجتماعي. يبدو أننا بحاجة إلى إعادة تأطير الظاهرة في الوعي العام. الذباب الإلكتروني ليس مجرد حركة إزعاج عابرة على تويتر، بل أصبح مُكوّنا لمشهد القوة العالمية. إنه سلاح منخفض التكلفة لكنه عالي التأثير، ويُستخدم في أحيان كثيرة لزرع الشقاق وتقويض الثقة الاجتماعية التي تُعد ركيزة الأمن الداخلي لأي دولة. ونادراً ما نجد أن هذه القضية قد تم تناولها من منظور نظري لأدبيات العلاقات الدولية السائدة. لذلك، من المهم أن يُدرك صناع القرار والجمهور معاً أن ما يجري على شاشات هواتفهم قد يكون امتداداً لصراع بين دول وأجندات في الكواليس.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي الانزلاق إلى التهويل المطلق أو الدعوة لفرض قيود شاملة تخنق الفضاء الرقمي. فالتحدي يكمن في إيجاد توازن دقيق يقوم على حماية النقاش العام من التلوث المتعمد بالأكاذيب دون المساس بحريته الصحية. ولعل الخطوة الأولى لتحقيق ذلك هي الاعتراف الجماعي COLLECTIVE RECOGNITION بأن استهداف المجتمعات بحملات تضليل هو شكل من أشكال الاعتداء غير المسلح، ويستوجب إطاراً للتعامل المشترك (مثل معاهدات أو تفاهمات ضد التدخل السيبراني في المعلومات رغم صعوبة ضبط ذلك). إضافة إلى هذه المقاربة، يأتي الدور المجتمعي والتعليمي في بناء مناعة داخلية. فكلما كان الأفراد أكثر وعياً بأساليب التضليل الرقمي وأكثر قدرة على التفكير النقدي ومراجعة المصادر، قلّ تأثير تلك الحملات عليهم.

يبدو جلياً أن الذباب الإلكتروني تحول إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية تُستخدم خلال الأزمات لصنع سرديات مضادة وتوجيه الرأي العام، ضمن ما بات يعرف بـ”حرب المعلومات”. هذه الأداة التي تمثل تحدياً غير مسبوق لمفاهيم السيادة والنقاش الديمقراطي، ومع انتشار استخدامها من قبل أنظمة سلطوية ودول ديمقراطية على حد سواء، يغدو من الضروري تطوير فهم أعمق لها من منظور العلاقات الدولية، يجمع بين واقعية إدراك دوافع الدول وبنائية فهم قوة السرديات. عندها فقط يمكن البدء بصياغة استجابات فعالة تحافظ على حرية الفضاء الرقمي، وفي الوقت نفسه، تحميه من التحول إلى ساحة مفتوحة لـ”حرب الجميع ضد الجميع” في ميدان الحقيقة. لقد دخلنا حقبة أصبح فيها الصراع على الحقيقة هو الوجه الجديد للصراع على السلطة والنفوذ. وما لم ننتبه كأفراد ومجتمعات ودول، فقد نجد أنفسنا أسرى روايات مضللة تشكل عالمنا دون أن ندري.