واشنطن وطهران والارتهان في دائرة الصراع

واشنطن وطهران والارتهان في دائرة الصراع

منذ أكثر من شهرين تتصاعد لهجة التهديد بين الولايات المتحدة وإيران، وخصوصًا مع دونالد ترمب، لكن الحقيقة أن هذا التوتر ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لصراع قديم يعود إلى ما قبل ذلك بكثير. العلاقة العدائية بين الطرفين ترجع عمليًا إلى العام 1979، إلى أزمة احتجاز الدبلوماسيين الأميركيين في طهران لمدة 444 يومًا، وهي حادثة تركت أثرًا عميقًا في الوعي السياسي الأميركي. ترمب، الذي كان يبلغ آنذاك الرابعة والثلاثين من عمره، صرّح لاحقًا بأنه لو كان رئيسًا في ذلك الوقت لأرسل القوات الأميركية فورًا، ما يوضح أن عداءه لإيران سياسي متجذّر وليس مجرد موقف مرحلي.

يرى ترمب أن إيران استفادت بشكل كبير من سياسات إدارة باراك أوباما، وخصوصًا الاتفاق النووي، الذي يعتبره السبب الأساسي في توسّع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية. فمن وجهة نظره، سمح ذلك الاتفاق لإيران بتعزيز حضورها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتحويل هذا النفوذ إلى واقع سياسي وعسكري فرض نفسه على الشرق الأوسط. لذلك وضع ترمب هدفًا استراتيجيًا واضحًا يتمثل في القضاء على إرث أوباما داخليًا وخارجيًا، وكان الانسحاب من الاتفاق النووي إحدى أبرز خطواته في هذا الاتجاه.

ضمن هذا السياق جاءت سلسلة من الإجراءات التصعيدية، بدءً من تشديد العقوبات الاقتصادية، مرورًا باغتيال قاسم سليماني في العام 2019، وصولًا إلى المشاركة في عمليات عسكرية استهدفت منشآت نووية إيرانية في أواخر العام 2025. كما أظهر ترمب حماسة واضحة لإحداث تغييرات جذرية في سوريا ولبنان واليمن والعراق، انطلاقًا من قناعته بأن تقليص النفوذ الإيراني في هذه الدول يشكّل جزءً أساسيًا من أي استراتيجية أميركية ناجحة في المنطقة.

المطالب الأميركية من إيران يمكن تلخيصها بثلاثة محاور أساسية: إنهاء البرنامج النووي بالكامل ووضعه تحت رقابة دولية صارمة، وقف دعم وتسليح الجماعات المسلحة التي تصنّفها واشنطن كميليشيات مرتبطة بطهران، وإنهاء البرنامج الصاروخي الباليستي، وخصوصًا الصواريخ القادرة على الوصول إلى إسرائيل. إضافة إلى ذلك، تم تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية في الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما تعتبره إيران استهدافًا مباشرًا لبنية النظام وأحد أعمدته الأساسية.

في المقابل، تحاول إيران إظهار أنها ليست معزولة دوليًا، وهو ما يفسّر مشاركتها في المناورات العسكرية المشتركة مع روسيا والصين في مضيق هرمز، وهي مناورات دورية تُقام عادة في بداية كل عام، لكنها هذه المرة تحمل رسائل سياسية واضحة تتجاوز بعدها العسكري. هذه المناورات تؤكد أن أي مواجهة عسكرية مع إيران قد لا تبقى محصورة بين طهران وواشنطن، بل قد تتداخل فيها قوى دولية كبرى، ما يزيد من تعقيد المشهد وخطورته.

ترفض إيران الشروط الأميركية لأنها تقرأ التجارب التاريخية في المنطقة بوضوح. فليبيا سلّمت برنامجها النووي في العام 2003، ومع ذلك سقط نظام القذافي بعد سنوات بتدخل عسكري غربي. والعراق سلّم برامج أسلحة الدمار الشامل، وعلى الرغم من ذلك سقط نظام صدام حسين في العام 2003. من وجهة النظر الإيرانية، فإن التخلي عن عناصر القوة لا يضمن بقاء الأنظمة، بل قد يكون مقدمة لإسقاطها، ولذلك ترى طهران أن المواجهة حتى النهاية قد تكون أقل كلفة من الاستسلام التدريجي.

في الحقيقة، أي ضربة كبرى لإيران قد تخلق فراغًا استراتيجيًا خطيرًا لا يُعرف من سيملؤه. السؤال لم يعد ما إذا كانت إيران ستُستهدف عسكريًا، بل ماذا سيحدث بعدها، ومن سيكون الدور التالي في منطقة اعتادت أن تدفع ثمن الصراعات الكبرى.
عند قراءة التاريخ، يتبين أن التنازل لا يعني النجاة، ولكن أيضاً العنجهية والمواجهة على حساب كل شيء لن تُجدي نفعاً، وفي الأخير سيكون الثمن باهظًا بكل الأحوال.