29 May 2026
Like this post
في لبنان، ومنذ تأسيسه حتى اليوم، برزت حالة من الانقسام السياسي والاجتماعي تقوم على منطق “مع وضد”. فمع قيام دولة لبنان الكبير، انقسم الرأي العام بين مؤيد لهذه الصيغة التي رآها البعض إطارًا دوليًا جديدًا يحفظ خصوصية الثقافات المتنوعة، وبين معارضين اعتبروها فصلًا عن العالم العربي والإسلامي الذي ينتمون إليه.
ثم انتقل هذا الانقسام إلى مرحلة الوجود الفلسطيني في لبنان، حيث انقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض. فالفريق المعارض رأى أن هذا الوجود قد يساهم في تفاقم الأزمات الداخلية ويهدد استقرار الدولة، خاصة في ظل عدم احترام الخصوصية والسيادة اللبنانية كما يرى هذا الفريق. في المقابل، اعتبر الفريق المؤيد أن الفلسطينيين شعب مهجّر قسرًا، وأن لهم حق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لاستعادة وطنهم، حتى لو انعكس ذلك على الواقع اللبناني، باعتبار أن القضية الفلسطينية هي قضية إنسانية ودينية تستوجب الدعم.
أما اليوم، فإن هذا المنطق نفسه يتجدد في النقاش حول سلاح حزب الله، حيث ينقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض. فالفريق المؤيد للدولة يطرح فكرة حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية اللبنانية، ويرى أن سلاح حزب الله يشكل مصدر توتر داخلي وخارجي، ويؤدي إلى إعطاء ذرائع لإسرائيل، كما يساهم في أزمات متكررة انعكست على الواقع اللبناني سياسيًا واقتصاديًا، وأدت إلى عزلة لبنان عن محيطه العربي والدولي. ويذهب هذا الطرح أيضًا إلى اعتبار أن قرار السلاح مرتبط بمحاور إقليمية، ما يضعف مفهوم السيادة الوطنية.
في المقابل، يرى الفريق الآخر أن هذا السلاح يشكل عنصر ردع وحماية، خصوصًا في الجنوب في مواجهة إسرائيل، وأنه أدى دورًا في منع الاحتلال. إلا أن هذا الطرح يواجه إشكالية الواقع الميداني الحالي، حيث يستند معارضوه إلى استمرار الاعتداءات ووجود الاحتلال في بعض المناطق، ما يفتح نقاشًا حول فعالية هذا الدور.
وفي العمق، لا ينفصل هذا الانقسام المتكرر عن البنية السياسية اللبنانية التقليدية، حيث تستفيد القوى الحزبية من هذه الثنائية المستمرة بين “مع وضد”، لما توفره من تعبئة شعبية وخطاب طائفي وشعبوي يعزز حضورها السياسي. فهذه الانقسامات تُستثمر في الصراع السياسي الداخلي بدلاً من أن تتحول إلى مساحة إنتاج سياسات عامة فعّالة.
وفي الوقت نفسه، ينعكس هذا الواقع على تدهور الخدمات العامة، من أزمة الكهرباء والمياه إلى ضعف إدارة المؤسسات، حيث تُهدر موارد كبيرة من دون حلول مستدامة، في ظل نظام سياسي يستفيد من استمرار الأزمات بدلاً من معالجتها، بما يعمّق الأزمة اللبنانية على مختلف المستويات.
وفي هذا السياق، يتناسى اللبناني الواقع اليومي الذي يعيشه عندما يرتبط انقسامه بانتمائه الطائفي أو عندما يشعر أن موقع طائفته يفرض عليه أن يكون في خانة “مع أو ضد”. عندها تتراجع القضايا المشتركة بين اللبنانيين، على الرغم من أن الطرفين، سواء المؤيد أو المعارض، يعانيان من الأزمات نفسها: أزمة الكهرباء، أزمة المياه، وسوء إدارة مؤسسات الدولة.
فلبنان، في جوهره، ليس مجتمعًا منقسمًا فقط سياسيًا، بل مجتمع يعاني من أزمات معيشية جامعة لا تميّز بين فريق وآخر. ومع ذلك، يتم توظيف هذه الانقسامات من قبل الأحزاب التقليدية التي تستفيد من استمرار الأزمات للوصول إلى السلطة وتعزيز نفوذها.
وفي هذا الإطار، تتحول الحاجة اليومية للمواطن إلى أداة سياسية، حيث يصبح من المفيد لهذه القوى أن تبقى الأزمات قائمة، لأن ذلك يسمح لها بتقديم نفسها كبديل مباشر عن الدولة في تلبية الحاجات الأساسية، مما يعزز الولاء لها بدلًا من الولاء للمؤسسات الرسمية.