7 Nov 2025
Like this post
هذا المقال محاولة شخصية لفتح الباب الذي نظن أننا أحكمنا إغلاقه. إنه اجتهاد للرد على استفسار كيف لم تعد وفرة الوسائل تعني وضوح الغايات ولماذا تتكاثر الإجابات بينما يتوارى سؤال المعنى. تبقى غايتنا من تدوين هذه الأسطر البعيدة عن الحقل السياسي الذي ألفت كتابة مقالاتي حوله مع مجلة نقد بسيطة ومتمثلة في أن نسأل أنفسنا لماذا نعيش وماذا يستحق أن ننهض لأجله كل صباح.
سنقرأ أزمة المعنى في مستويين متداخلين. مستوى خاص بالفرد، أي تلك الذات التي تنهض كل صباح وترتمي بين ضغط العمل وضوء الشاشة بحثا عن سبب مقنع، ومستوى عام ننظر من خلاله لعالم يندفع بسرعة غير مسبوقة. سنقاربها عبر تجارب يومية ملموسة من الاستهلاك والعزلة الرقمية والاحتراق المهني إلى محاولات ترميم المعنى في العمل النافع وفي العلاقات الدافئة وفي الروحانيات وحتى في مجموعات الإلتراس في مدرجات ملاعب كرة القدم. والهدف من كل هذا أن نعيد توضيب أسئلتنا وفق منطق واحد: لماذا نعيش وماذا يستحق أن ننهض لأجله كل صباح؟
أزمة المعنى في العصر الحديث
وفّرت الحضارة الحديثة للبشر رفاهيةً ورخاءً مادياً غير مسبوقين، لكن المفارقة أنها لم تجلب الرضا الداخلي المنشود. وجد علماء النفس والفلاسفة أنفسهم يعيدون طرح فكرة قديمة-جديدة تذكر البشرية بأن شعور الفراغ واللامعنى على الرغم من وفرة الوسائل قد أضحى غالباً على تحركات الإنسان، إذ “بات لدى الناس كل وسائل العيش، لكنهم يفتقرون إلى معنى يعيشون لأجله”. ونتيجة لذلك، يعاني الكثيرون حالة من “الفراغ الوجودي”، التوصيف الذي انتقاه عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل قبل عقود. ولم تعد هذه المعضلة نظرية بحتة، بل نراها في إحصاءات مقلقة. فعلى سبيل المثال، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الانتحار أصبح ثالث أهم سبب للوفاة في صفوف الشباب عالمياً. هذه الحقيقة التي لا أجد سوى توصيف “مرعبة” للتعبير عنها، تكشف جانباً من أزمة المعنى. فحين يفقد الإنسان الشعور بجدوى الحياة، قد تنطفئ رغبة البقاء لديه على الرغم من غريزة البقاء الطبيعية.
لا تقتصر أزمة المعنى على حالات قصوى كالاكتئاب الحاد أو الانتحار، بل تمتد كتيار خفي تحت مظاهر حياتنا اليومية. في بيئات العمل مثلاً، هناك انتشار ملحوظ للشعور بانعدام المعنى لدى الأفراد. فكثيرون يؤدون وظائفهم بإحساس داخلي يخبرهم بأن عملهم بلا قيمة حقيقية أو رسالة، ما يفاقم الإحساس بالاغتراب والقلق. وبشكل عام، يعاني الإنسان المعاصر قلقاً وجودياً دائماً. فقد حصل على كل أدوات الراحة والترف، لكن راح يتساءل استفساراً بسيطاً على مستوى الكلمات، لكنه عميق على مستوى الدلالات: هذه الحياة المريحة… لأجل ماذا؟
لخّص الفيلسوف فريدريك نيتشه المسألة قبل أكثر من قرن بعبارة بليغة “من يمتلك سبباً يعيش من أجله، يستطيع تحمّل العيش بأي طريقة كانت”. المشكلة اليوم أن كثيرين يفتقدون ذلك السبب أو الهدف الأسمى الذي يمنح الحياة معنى. ولاحظ عالم النفس كارل يونغ منذ القرن الماضي أن حوالي ثلث مرضاه لم يعانوا اضطراباً عصبياً فعلياً، بل كانوا يتخبطون بسبب عبثية حياتهم وشعورهم بانعدام الهدف منها. إن افتقاد المعنى بات مرضاً خفياً ينهش روح الإنسان المعاصر ويحول حياته، مهما بدت ناجحة مادياً من الخارج، إلى جحيم من القلق والكآبة.
من الوفرة المادية إلى الخواء الروحي
كيف وصلنا إلى هذه الحال؟
تحولات الحياة نفسها حملت بذور أزمة المعنى.
فمع صعود قيم المادية في القرن العشرين وتراجع سلطة المؤسسات الروحية والتقليدية التي كانت تمنح الحياة معنى جماعياً مثل الأسرة، الأصدقاء، الدين والمجتمع؛ وجد الفرد نفسه حراً طليقاً، لكن تائهاً في الوقت ذاته. لقد تحرر الإنسان الحديث من قيود كثيرة، لكن حريته الجديدة لم تصحبها بوصلة قيمية واضحة أو إجابة جامعة لسؤال: لماذا أعيش؟ وكما قال فرانكل: “الحرية وحدها قد تنقلب إلى فراغ واعتباطية إن لم تقترن بالمسؤولية والمعنى”.
إن نمط الحياة الاستهلاكي السريع جعل الكثيرين أشبه بآلات إنتاج واستهلاك، وأدى إلى ما يسميه المفكرون حالات “التشيؤ والاغتراب”، أي تحول الإنسان إلى شيء أو ترس في ماكينة المجتمع، وشعوره بالانعزال عن ذاته ومحيطه. في ظل هذه الظروف ضاعت قيمة الفرد ومعها معنى وجوده. فالحياة المعاصرة في كثير من الأحيان مجرد خطة وتصميم وحسابات رقمية، مما يولّد شعوراً بأن هناك فراغاً روحياً عميقاً خلف المظاهر التقنية والمادية المزدهرة. لا عجب إذن أن نشهد حنيناً متزايداً إلى الروحانيات أو البحث عن بدائل معنوية. فبعض الشباب اليوم يلجأ إلى التأمل واليوغا أو حتى علاقات رقمية مع ذكاء اصطناعي بحثاً عن معنى مفقود، وآخرون ينخرطون في حركات أيديولوجية تمنحهم إحساساً بالهوية والغاية. إنه تعبير جلي عن عطش كامن لدى الإنسان المعاصر لسد فجوة المعنى بأي طريقة.
ويذكرني هذا الاندفاع نحو البحث السريع عن جماعة حاضنة بمن يجدون ملاذاً في الألتراس المشجعين لفرق كرة القدم لإطفاء ضوضاء الأسئلة الوجودية ولو مؤقتاً داخل نظام بسيط للمعنى من ألوان ورموز، أناشيد جماعية، مواعيد أسبوعية، وقطبية شفافة بين “نحن/هم” و”فوز/خسارة”. في المدرج تتكثف نشوة جماعية تجعل الفرد يستعير صوت الجماعة ويبادل قلقه بالذوبان في نحن أكبر.
تسعون دقيقة يصبح فيها العالم مفهوماً، والزمن قابلاً للاحتمال. لكن لهذا الملاذ وجهان. وجه مضيء حين تتحول الروابط إلى تضامن فعلي مثل المبادرات الاجتماعية والحملات التبرعية، فتغدو الجماعة معملاً لمعنى مشترك يتجاوز المتعة إلى المسؤولية. ووجه معتم حين يختزل المعنى في صراع يقلب الانتماء إلى تعصب وعدوان. لذلك يبدو الألتراس بمثابة كاشف لحاجتنا العميقة إلى معنى قابل للعيش يهدئ روع الأسئلة بدلاً من قمعها، ويتيح للفرد أن يجد مكانه بين الآخرين من غير أن يفقد ذاته، ويحول شغف المدرجات من تعويض مؤقت إلى طاقة أخلاقية دائمة تُستثمر خارج الملعب، أي في الحياة نفسها.
ومن جذور الأزمة أيضاً ما يشير إليه الكتاب في العصر الحديث من تغيير بوصلة القيم. فقد أضحت الوظيفة والمهنة لدى كثيرين مصدر الهوية والمعنى الأساسي، إلى درجة أن البعض يطلب من عمله أن يقدم له مجتمعاً وانتماءً وتحققاً ذاتياً ومعنى للحياة بدلاً من أن تكون هذه الأمور مستمدة من الروابط الإنسانية العميقة أو الإيمان الروحي. هذا التحميل المفرط للعمل بوظائف المعنى يضع عبئاً يفوق طاقته. فالوظيفة مهما كانت مهمة لا يمكنها بمفردها أن تحل محل الدين أو الفلسفة أو المجتمع في إعطاء إجابات شاملة للسؤال الوجودي “لماذا؟”. وحين يخيب الظن ويكتشف المرء أن السعي المحموم خلف النجاح المهني أو المادي لم يمنحه السعادة المنشودة، تزداد حدة الفراغ الداخلي وتتفاقم أزمة المعنى لدى الفرد.
بين إرادة البقاء وإرادة المعنى
أليست غريزة البقاء كافية لدفع الإنسان نحو الاستمرار في الحياة؟ لماذا نحتاج إلى معنى أعمق ما دمنا أحياء فحسب؟ الإجابة تكمن في الطبيعة الخاصة للإنسان. لدينا جميعاً دافع فطري للبقاء، غير أن الإنسان ليس كائناً بيولوجياً وحسب. إنه كائن يبحث عن غاية وقيمة لحياته. وإذا غابت الدوافع والمعاني الكبرى، تزعزعت حتى رغبة الحياة ذاتها. وقد أكد فيكتور فرانكل أن سعي الإنسان للمعنى هو القوة الأساسية الأولى في حياته وليس مجرد تعزية ثانوية لحوافزه البيولوجية. بعبارة أخرى، الإنسان يحتاج سبباً ليبقى حياً بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه للطعام والهواء. بل ربما يحتاج السبب والمعنى أكثر بعد أن تلبي حاجاته المادية الأساسية. فعندما تخف حدة صراع البقاء الفيزيائي يطفو التساؤل المؤرق الذي يتلخص في سؤال: البقاء من أجل ماذا؟
فرانكل، من واقع تجربته القاسية في معسكرات الاعتقال النازية، يخبرنا بأن الذين امتلكوا هدفاً أو معنى يعيشون لأجله تمكنوا من الصمود بشكل يفوق أولئك الذين استسلموا للعبث. فقد روى قصة أحد زملائه السجناء الذي عاش على أمل أن تنتهي الحرب في تاريخ محدد، ولما مر ذلك الموعد من دون خلاص انهار الرجل وفارق الحياة. لم يكن سبب الوفاة المرض والجوع، بل فقدان الأمل والمعنى الذي كان يتشبث به. في المقابل، استطاع فرانكل نفسه وآخرون إيجاد معنى حتى في أحلك الظروف من خلال تبني هدف للبقاء من أجل إخبار العالم بما حدث، أو من أجل حب ينتظرهم في مكان ما، أو حتى لمجرد التحدي والصمود في وجه المعاناة. ولعل هذه المسألة تقدم لنا تفسيراً نستوعب به مقولة فرانكل الشهيرة “اليأس معاناة بلا معنى”.
فعندما يجد الإنسان معنى لمعاناته، يتحول الألم إلى تضحية مقبولة نفسياً، وتتحول المحنة إلى منحة تدفعه للاستمرار. أما المعاناة الفارغة من أي معنى فتسحق صاحبها وتحول الألم إلى يأس قاتل.
وقد لخّص نيتشه هذه الفكرة من جهته. فمن يملك جواباً لسؤال “لماذا أحيا؟” يمكنه الإجابة على نظيره “كيف أحيا”. بعبارة أخرى، يمنح السبب الوجودي أو الإيمان بمعنى معين للحياة الإنسان قوة مذهلة على تحمل الصعاب. على النقيض، الثراء والرفاهية من دون معنى قد تجعل الحياة لا تطاق على الرغم من سهولتها الظاهرية. فكم من شخص يملك كل مقومات السعادة المادية ظاهرياً لكنه ينهار تحت وطأة الفراغ، ذلك أن الروح حين تجوع إلى المعنى، لا يملأ جوفها وفرة الطعام والمال. إرادة المعنى ما يميز العنصر البشري. هي بوصلته الداخلية التي تقوده وسط فوضى الحياة الحديثة وتَشَظِّيها. وإذا تعطّلت، فإن إرادة البقاء الحيوية وحدها لا تكفي لضمان استمرار الإنسان بالروح والشغف نفسهما.
الشقاء من أجل الرخاء
هل يمكن تجاوز أزمة المعنى فردياً وجماعياً إذا أدركنا أن المعنى موجود لمن يبحث عنه ومستعد لخلقه؟ وهل هو شيء نعثر عليه خارجنا أم معنى نصنعه عبر مواقفنا واختياراتنا؟ أيمكن لكل واحد منا أن يجد طريقه عبر العمل الهادف، والعلاقات العميقة، والشجاعة في تحمل المعاناة؟ أليس الإنجاز الذي ينفع الآخرين مصدراً لإحساس أعمق بالجدوى؟ وهل يمنحنا الحب والتضحية دفئاً لا تعوضه أي مكاسب مادية؟ وكيف تتحول المعاناة، إن قبلناها وتسامينا بها، إلى وسام معنوي ومعنى جديد للحياة؟
هل تبدأ استعادة المعنى بإعادة ترتيب الأولويات والبحث عما يغذي الروح حقاً؟ وهل نجده في تطوير الذات، أو إتقان هواية، أو خدمة قضية أكبر منا؟ أليس أثرنا في حياة إنسان واحد قادراً على ملء فراغ لا تملؤه الأرقام؟ وهل يجد بعضنا المعنى في الإيمان والعبادة والتأمل، بينما يصوغه آخرون في فلسفة شخصية وقيم منسجمة مع ذواتهم؟ ألسنا بحاجة جماعياً إلى إعادة تفكير في بنية عالمنا لكي نوازن بين التقدم المادي والرفاه الروحي؟ أليست منظومة قيم تضع الإنسانية والمعنى في القلب شرطاً لازدهارنا؟ أليست الحرية محتاجة إلى مسؤولية تعادلها حتى لا تفقد بوصلتها؟ وكيف يمكن لثورة تربوية وإعلامية وثقافة عمل جديدة أن تربي النفوس لا أن تكتفي بحشو العقول، وأن تحتفي بقصص المعنى لا بضجيج الاستهلاك العابر؟
ألسنا أشبه بسفينة فقدت بوصلتها ويمكن إصلاح دفتها إذا سألنا “لماذا” قبل “كيف”؟ أيمكن أن يروي الارتباط بشيء أسمى عطشنا العميق ويملأ فراغنا الداخلي؟ أليس بوسع كل فرد ومجتمع أن يعثر على نور معنى حتى في العتمة الأشد إذا توجه بخدمة الآخرين والأمل في الغد؟ ما السبب الذي يجعلك تنهض من فراشك كل صباح؟ أهو صغير أم كبير حسب تصورك، مادي أم معنوي، وما الذي يمنحه وزنه في حياتك؟ وإذا وجد كل واحد منا معنى خاصا، ألا يستعيد العالم روحه المفقودة؟ وهل يكون مجموع معاني الأفراد سببا أقوى للاستمرار والتقدم نحو مستقبل أكثر إنسانية؟
في سطر ختامي، من امتلك دافعاً يعيش به كل يوم، استطاع أن يتحمل الظروف المصاحبة له.