بلدٌ مُرهَقُ المشاعر

بلدٌ مُرهَقُ المشاعر

في لبنان، لا تبدأ الكارثة بصوت انفجار دائماً، أحياناً تبدأ بصمت…

بذلك الصمت الثقيل الذي يمرّ بين خبر عاجل وآخر، بين صورة دمار ومنشور ساخر، بين جنازة تُبث مباشرة على الهاتف وفنجان قهوة يُشرب بعدها بدقائق وكأن شيئًا لم يحدث. في مكان ما من هذا البلد، تغيّر شيء عميق داخل الناس. ليس في السياسة فقط، بل في الإحساس نفسه.

فالتحوّل الاجتماعي الكبير لا يحدث دفعةً واحدة، ولا يُعلن عن نفسه كحدثٍ مفصلي يمكن تأريخه. يتسرّب بهدوء، كتآكلٍ داخلي في الحسّ العام، لا يلاحظه الناس إلا متأخرين، حين يكتشفون أنهم باتوا أشخاصاً مختلفين عمّا كانوا عليه قبل سنوات. الأزمات لم تتوقف، لكنها بدّلت شكل حضورها داخل الوعي الجمعي؛ من صدمةٍ تُربك المجتمع إلى واقعٍ يُدار بالصمت.

ما يلفت اليوم ليس استمرار الانهيار، بل تغيّر الإيقاع الانفعالي تجاهه. لبنان لا يزال يعيش تحت وطأة أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية متراكمة، ومع ذلك تراجعت حدّة الاستجابة الجماعية بشكل لافت. الأحداث التي كانت قبل سنوات كفيلة بإشعال الشارع، باتت تمرّ كما لو أنها جزء من روزنامة يومية ثقيلة. لا ذهول طويل، لا غضب ممتد، ولا فعل جماعي قادر على التراكم. فقط ردود فعل قصيرة، ثم عودة سريعة إلى تفاصيل النجاة الفردية.

كأن المجتمع اللبناني لم يعد يملك طاقة إضافية للانفعال.
هذا التحوّل لا يمكن اختزاله في “اللامبالاة”. إنه، في جوهره، حالة إنهاك نفسي وجمعي ممتد، أقرب إلى ما يصفه علم النفس الاجتماعي بـ”التبلّد العاطفي الناتج عن فرط التعرّض للصدمة”. حين تتكرر الكارثة بوتيرة تفوق قدرة الإنسان على الاستيعاب، لا يعود يُنتج استجابة متناسبة مع الحدث، بل يعيد ضبط عتبة الإحساس نفسها كي يتمكّن من الاستمرار. إنها آلية بقاء أكثر منها خياراً واعياً.

اليوم، تمر الكوارث مرور العابرين.
خبر عن انهيار جديد؟ “الله يعين الناس”.
تصعيد أمني؟ “إن شاء الله بتمر”.
فضيحة فساد؟ “ما بقى في شي يفاجئ”.
ليست هذه العبارات برودة أعصاب…. إنه الإنهاك حين يتحول إلى نمط حياة.
اللغة نفسها تصبح وسيلة دفاع نفسي؛ اختصار الشعور لتقليل الألم. وحين يعجز الإنسان عن تغيير الواقع، يبدأ بتغيير طريقة استقباله له. وهنا يبدأ التحوّل الأخطر: من الفعل إلى التكيّف، ومن الغضب إلى الاقتصاد في الانفعال.

فاللبناني لم يعتد الأزمة لأنه قوي كما يُقال دائماً، بل لأنه استُنزف حتى آخر رد فعل فيه.
هناك فرق كبير بين التحمّل والتبلّد، وبين الصمود وفقدان القدرة على الإحساس. لكن في لبنان اختلطت المفاهيم إلى درجة أصبح فيها الصمت يُشبه الاستقرار، بينما هو في الحقيقة شكل آخر من أشكال الانهيار.

والأخطر أن هذا التحوّل لم يعد فردياً، إنّما جماعياً. فالإنهاك أصبح بيئة عامة، والمجتمع كله يتكيّف مع فكرة أن الأزمات ليست أحداثاً عابرة، بل سياق دائم. وحين يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما يستحق ردّ فعل وما لا يستحق. عندها لا يعود الصمت اختيارًا، بل بنية يومية للحياة.

في هذه البقعة الصغيرة التي لطالما تحمّلت الأزمات، لم تعد الكارثة توقف الحياة… الحياة نفسها أصبحت تُدار داخل الكارثة.
ربما لأن الناس تعبت من الغضب الذي لا يغيّر شيئاً، تعبت من الاحتجاجات التي انتهت بلا نتائج واضحة، ومن الوعود التي تتكرر، ومن الشعور بأن كل صدمة جديدة ستُدفن تحت الصدمة التي تليها. ومع الوقت، بدأ اللبناني يخفف من انفعاله، لا لأنه لم يعد يهتم، بل لأنه لم يعد يحتمل المزيد.

بهذا السياق، لا يتراجع الألم بقدر ما يُعاد تنظيمه داخلياً. الألم موجود، لكنه لم يعد يملك الامتداد الانفعالي الذي يسمح له بالتحوّل إلى غضب جماعي. لذلك يبدو المشهد العام أكثر هدوءً، فيما هو في الحقيقة أكثر استنزافاً. الصمت هنا ليس فراغًا، بل امتلاءٌ مثقل بالتجربة، حتى باتت الاستجابة نفسها عبئاً إضافياً على منظومة نفسية مرهقة أصلاً.

اللبناني اليوم لا يتعامل مع الأزمة كاستثناء، بل كمعطى دائم. وهذا ما ينعكس في تراجع الأفق الزمني للوعي الاجتماعي؛ لم يعد السؤال حول التغيير البنيوي أو المستقبل السياسي، بل حول القدرة على عبور اليوم. وحين ينكمش المستقبل إلى حدود البقاء الفوري، يتراجع معه الفعل السياسي، لأن القدرة على تخيّله تآكلت، لا لأن الحاجة إليه اختفت.

حتى الغضب، بوصفه أعلى أشكال الاستجابة السياسية، لم يختفِ، بل فقد امتداده. تحوّل من طاقة جماعية قابلة للتراكم إلى ومضات فردية سريعة؛ تعليق غاضب، منشور مكثّف، ثم انطفاء. فبات الغضب ردّة فعل عابرة لا تجد بيئة اجتماعية حاضنة لتحويلها إلى مسار تغييري.

وخلف هذا الهدوء الظاهري، تتشكّل طبقة أعمق من الإرهاق الوجودي: انسحاب تدريجي من النقاش العام، فتور في التفاعل مع الأخبار، وتحوّل متزايد نحو الفردانية بوصفها استراتيجية حماية. فحين تصبح القدرة على التحمّل محدودة، يتحوّل التركيز تلقائياً من “التغيير” إلى “الاستمرار”.

وهذا الصمت بدأ يُشبه الاستقرار في الوعي العام، ولم يعد يُقرأ كأزمة. وهنا يحدث الالتباس الأخطر؛ حين يصبح التكيّف مع الانهيار نوعاً من الاعتياد، وتتحول القدرة على الاحتمال إلى بديل زائف عن القدرة على التغيير.

تحت هذا السطح، لا ينعدم الشعور، لكنه يتراجع إلى الداخل. والألم لا يختفي، انما ينفصل عن فعله الاجتماعي. يصبح تجربة فردية صامتة، لا تتحول إلى حركة، ولا إلى ضغط، ولا إلى سؤال جماعي.
هكذا، يصبح الصمت اللبناني شكلاً متقدماً من الإنهاك، لا علامة استقرار. صمتٌ لا يعني القبول، صمتٌ يعكس مرحلة متأخرة من التكيّف مع واقع استنزف قدرة الناس على الدهشة، وربما على الحلم أيضاً.

والمقلق في هذا الصمت، أنه غير مرئي. لا أحد يتحدث عن التعب النفسي الجماعي الذي أصاب اللبنانيين، عن ذلك الشعور الداخلي بأن لا شيء سيتغير مهما حدث، عن الناس الذين ما عادوا يخططون للمستقبل لأنهم بالكاد ينجون من الحاضر.
لبنان اليوم ليس بلداً بلا مشاعر… بل بلداً مُرهق المشاعر.

وهذا ربما أخطر من الغضب نفسه، لأن الشعوب عندما تغضب، فهي لا تزال تؤمن بأنها تستحق حياة أفضل؛ أما عندما تصمت طويلاً، فربما تكون قد بدأت تفقد هذا الإيمان تدريجياً…