19 Jun 2026
Like this post
يطلّ علينا البعض هذه الأيام للاحتفال بالاتفاق الأميركي ـ الإيراني، والمفاخرة بأن لبنان بات مشمولاً بوقف النار، وأن الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة أصبح مسألة وقت، بل إن بعضهم ذهب إلى حدّ اعتبار ما حصل انتصاراً سياسياً جديداً. لكن الواقع على الأرض يبدو مختلفاً تماماً عن هذه الشعارات الرنانة.
فمنذ الإعلان عن الاتفاق، تواصل إسرائيل اعتداءاتها على الجنوب اللبناني من دون أي رادع فعلي، مؤكدة مرة جديدة أنها تتخذ قراراتها بشكل منفرد في الساحة اللبنانية، وأنها لا تستجيب لأحد، حتى عندما يتعلق الأمر برغبات الإدارة الأميركية نفسها. وكأن البعض لا يزال يصرّ على تجاهل حقيقة أثبتها التاريخ مراراً: إسرائيل لا تلتزم إلا بما يخدم مصالحها، ولا تتردد في نسف أي تفاهم عندما ترى أن الظروف تسمح لها بذلك.
المفارقة أن الصمت يخيّم على كثيرين ممن اعتادوا رفع سقف الخطابات، فقط لأن من يتولى التفاوض بشأن لبنان هذه المرة ليس الدولة اللبنانية، بل ايران، الوصية على الحزب. فالمشهد في الجنوب، بما يحمله من دمار وخسائر بشرية ومعاناة يومية، لا يبدو أولوية لدى هؤلاء بقدر ما تهمهم المحافظة على الرواية السياسية التي يتبنونها.
والأغرب أن حالة الدهشة من عدم التزام إسرائيل تتكرر في كل مرة، رغم أن التجارب السابقة كانت كافية لاستخلاص الدروس. فمن “جرّب مجرّب كان عقله مخرّب”، وكان الأجدى بمن فتح جبهة إسناد لغزة، ثم ذهب بعدها فتح جبهة اسناداً لإيران والمرشد الأعلى، أن يقرأ تاريخ الصراع جيداً، وأن يدرك أن إسرائيل بنت جزءاً كبيراً من قوتها على الحروب والجرائم والإبادة، وأن الرهان على حسن نواياها أو على الضمانات الخارجية لم يكن يوماً ضمانة حقيقية.
وفي خضم هذا الواقع، يفضّل البعض توجيه سهامهم نحو الدولة اللبنانية أو نحو القوى السياسية الأخرى، ويوزعون اتهامات العمالة والخيانة يميناً ويساراً، لأن هذا الخطاب يحقق لهم الشهرة ويستجدي التعاطف ويحوّل الأنظار بعيداً من حجم الكارثة التي يعيشها اللبنانيون. فبدلاً من مواجهة الأسئلة الصعبة ومحاسبة الخيارات التي أوصلت البلاد إلى هذا المشهد، يجري البحث عن خصوم داخليين وتغذية الانقسامات.
أما الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها، فهي أن الجنوب يدفع الثمن، واللبنانيين يدفعون الثمن، فيما تستمر إسرائيل في عدوانها غير آبهة بالاتفاقات ولا بالشعارات، لتثبت مرة جديدة أن الوقائع على الأرض أهم من الأوهام التي تُباع للناس على أنها انتصارات.