25 Jan 2026
Like this post
رحلة البحث عن النفسية الهادئة في هذا العصر، تقريبًا، أصبحت هدفًا بحد ذاته، بينما كانت في السابق جزءًا من حياة الأجداد على الرغم من الصعاب حينها. فمع مصطلحات مثل تعفّن الدماغ و الـTiktok Brain، وكمّ المعلومات الكبير الذي يتلقّاه العقل في الثانية الواحدة، أصبحت حالتنا النفسية في اللحظة ذاتها حزينةً وسعيدةً وكئيبةً ومندهشةً ومتفائلةً ومنكمشةً على نفسها.
يمرّ عليك ملايين الأخبار والأحداث كأنك في دوّامة لا تنتهي، ولو جلست لثانية واحدة لتتأمل حالك، لوجدت نفسك منهكةً وتشتكي، ولكن لا حياة لمن ينادي، وهنا برزت أهمية المعالج النفسي.
المهنة التي لم تكن موجودة في القرون الماضية، لكن حاليًا أصبحت من المهن الشريفة المنتشرة، ويتوافد عليها الملايين، حيث أدركوا أن الاهتمام بالصحة النفسية بوابة الصحة الجسدية.
الصحة النفسية في الوطن العربي
بشكل عام، الصراعات لا تكاد تهدأ في وطننا العربي، وزادت أكثر في آخر خمس سنوات، وهذا بجانب الضغط الاقتصادي العالمي الذي يضغط بشدة على الصحة النفسية للفرد، فهو محاصر من كل جانب.
وفق شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية ANND: “تشكّل الصحّة النفسيّة جزءًا مهمًّا من الصحّة العامّة، وتشير إلى حالةٍ من الراحة تسمح للأفراد بتحقيق إمكاناتهم الخاصّة، والتعامل مع ضغوطات الحياة، والعمل بشكلٍ منتجٍ، والمساهمة في مجتمعاتهم. وقد تؤثّر مشاكل الصحّة النفسيّة تأثيرًا كبيرًا على قدرة الشخص على ممارسة العمل، ما يؤدّي إلى ضعف الأداء الاجتماعي، وانخفاض الإنتاجيّة”.
عدد سكان الوطن العربي 400 مليون شخص تقريبًا وفق إحصاء البنك الدولي 2022، و34 مليون مهاجر. عدد كبير من المواطنين في 22 دولة عربية، ووفق المركز العربي واشنطن دي سي (2022) فإن 30٪ يعانون من الاكتئاب، وهذه دراسة قبل الصراع الأخير في غزة وموجة التضخم العالمية، فما بالك بالوقت الحالي.
وفق دراسة قامت بها مؤسسة “استرحت” حول الصحة النفسية في المملكة العربية السعودية، فإن أكثر 5 عبارات بحثًا في محرك البحث Google للتعبير عن الألم النفسي هي: قلبي ثقيل، اكتئاب، قلق، مالي خلق، وتعبت. وتظهر ذروة التعب النفسي في شهر نيسان من العام.
إذًا نحن أمام كارثة تضرب دول العالم بشكل عام والمجتمع العربي بشكل خاص. إن الحالة النفسية هي المحرك للإنسان ليواجه الحياة بصعوبتها، ففي حال انهيارها يكون مثل الميت الحي؛ يتواجد معنا لكن داخله ميتٌ خاوي لا يعرف معنى للحياة.
الاهتمام بالصحة النفسية في العصر الحالي
بالطبع، بعد كل الإحصائيات المذكورة كان لزامًا على المجتمع الحديث أن يهتم وينظر إلى هذه الكارثة عن قرب، لكن المفارقة العجيبة هي: هل الطب النفسي هو طب حديث؟ أو بمعنى أدق: لماذا لم نسمع سابقًا عن مهنة الطبيب النفسي في عصر أجدادنا؟ أو لنقل، بمعنى أشد دقة: لماذا لم يكن أهلنا يذهبون لأي طبيب نفسي خلال سنوات أعمارهم على الرغم من كل الأحداث الصعبة التي كانت في أيامهم حتى اللحظة؟ وعلى النقيض تمامًا نجد أن فئة كبيرة من الشباب تتجه إلى الطبيب النفسي من أقل مشكلة.
وفق وزارة الصحة المصرية على سبيل المثال، تذكر أن “اضطرابات القلق والاكتئاب هي أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا وتؤثر على ما يقرب من 30% من البالغين في وقت ما خلال حياتهم”. هل تتخيل معي هذه النسبة من شعب تعداده تعدّى 100 مليون نسمة!
ووفق تقرير للانتدبندنت بالعربية في عام 2021م أن نصف سكان المغرب يعانون من أمراض نفسية، وأنه في تونس ربع السكان مصاب بالاكتئاب، وفي تقرير حديث على نفس الصحيفة ذكرت أن ثلثي شعب لبنان يعاني من اضطرابات نفسية.
صرحت المعالجة النفسية روفيدا محمد من الجزائر، المتخصصة في علاج اضطراب ما بعد الصدمة المعقّد واضطرابات التعلق والقلق والاضطرابات النفس-جسدية، بقولها: “نعم، إلى حد بعيد الصحة النفسية تحظى اليوم باهتمام أكبر مقارنة بالماضي، ليس بالضرورة لأن الاضطرابات زادت، بل لأن الوعي تحسن، والوصمة خفت نسبيًا، وأصبح الناس يملكون أكثر من لغة لوصف معاناتهم، إضافة إلى ضغوط العصر الحديث مثل التسارع، عدم الاستقرار، ومقارنة الذات المستمرة عبر وسائل التواصل وغيرها”.
وصرحت المعالجة النفسية سيلفيا نبيل من مصر، المتخصصة في القلق والصدمات النفسية، أن هناك اهتمامًا قويًا بالصحة النفسية، حيث صرحت بقولها: “نعم، المجتمع أصبح أكثر انفتاحًا، وأيضًا وصمة الدكتور النفساني قلت كثيرًا”.
وصرحت المعالجة النفسية بشرى مسعي من الجزائر، والمتخصصة في القلق والإرشاد النفسي وتطوير الذات: “الصحة النفسية أصبحت تلقى اهتمامًا كبيرًا جدًا، يرجع ربما السبب إلى توافر المعلومة النفسية وتداولها في منصات التواصل الاجتماعي التي هي في متناول الجميع، كذلك تبسيط المفاهيم النفسية من طرف المختصين الناشطين في منصات التواصل، الأمر الذي زاد من وعي الناس. هناك نقطة أخرى، وهي أن التصالح مع فكرة المرض أو الاضطراب النفسي أصبحت أقل وصمة مقارنة بسنوات، وذلك بسبب وعي الجيل، ما انعكس على تزايد الاهتمام بالصحة النفسية أكثر”.
الهشاشة النفسية
قد ترى مصطلح الهشاشة النفسية مصطلحًا من مصطلحات علم النفس من ملايين المصطلحات، لكنه أكثر من ذلك؛ فهو يعبّر عن حالة منتشرة في الجيل الحالي. فمع أول مشكلة تجده لا يصمد كثيرًا أمامها، إذ لم تتم تهيئته بشكل كافٍ على مواجهة الصعاب والمشاكل الكبرى كما كان الأجداد.
وذلك لعدة أسباب، أبرزها عصر الرفاهية الرقمية؛ فمع الفوائد الكثيرة لها، إلا أنها أصابتنا بالخمول والاكتئاب، بل وأصبح البعض منعزلًا اجتماعيًا ويفرغ نفسه للحديث مع التطبيقات كأنها صديقه الصدوق.
والكثير من الأمراض النفسية التي لم نكن نسمع عنها من قبل أصبحت الآن واقعًا، بل وأصبحت تحديًا لكثير من الأطباء النفسيين في التعامل معها.
صرحت المعالجة سيلفيا نبيل من فريق استرحت: “لأسباب كثيرة جدًا، أهمها العائلة والإنترنت”.
وأضاف الدكتور عمر أشرف بقوله: “الجيل الحالي ليس أكثر هشاشة بطبيعته، لكنه يواجه ضغوطًا مختلفة مثل السوشيال ميديا والمقارنات المستمرة، وفقدان الخصوصية، وضعف الروابط الاجتماعية، مما يزيد من ظهور الاضطرابات النفسية بشكل أوضح”.
وتضيف المعالجة مروة السيد: “لا يمكن وصفه بالهشاشة، لكنه جيل أكثر صراحة ووعيًا بمشاعره. ومع ذلك فهو يواجه عوامل ضغط جديدة مثل المقارنة المستمرة عبر وسائل التواصل، والسرعة الكبيرة في وتيرة الحياة، والضبابية الاقتصادية، بالإضافة إلى التغيرات في شكل العلاقات الأسرية والاجتماعية. هذه العوامل تجعل الأعراض النفسية تظهر بوضوح أكبر مقارنة بالأجيال السابقة”.
الأمراض النفسية المنتشرة في الوطن العربي
في الدراسات المذكورة مسبقًا توضّح أن أكثر الأمراض المنتشرة بشكل عام هي الاكتئاب والصدمات النفسية، لكن هل فعلًا هذه الدراسات هي الواقع المعاش داخل العيادات النفسية؟ لذلك، كي يكون حديثنا موضوعيًا، وجّهنا سؤال: “ما أكثر مرض نفسي اكتشفت انتشاره بين فئة كبيرة من الناس؟” إلى ممارسين للمهنة من مختلف الدول العربية.
صرحت المعالجة النفسية مروة السيد: “الاضطرابات الأكثر انتشارًا حاليًا تشمل: اضطرابات القلق بأنواعها (القلق العام، نوبات الهلع)، والاكتئاب الخفيف إلى المتوسط، واضطرابات ما بعد الصدمة لدى أصحاب التجارب الصعبة، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) عند الأطفال والبالغين على حد سواء، حيث زاد الوعي بالتشخيص وأصبح كثيرون يكتشفون حالتهم في سن متأخرة بعد معاناة طويلة مع صعوبات التركيز وتنظيم المهام، والملفت أن نسبة كبيرة تعاني من هذه الاضطرابات دون تشخيص واضح رغم وجود الأعراض بشكل مؤثر في الحياة اليومية”.
ويضيف الطبيب عمر أشرف بقوله: “اضطرابات القلق والاكتئاب هما الأكثر انتشارًا، واضطرابات التعلق، واضطرابات الإدمان السلوكي مثل إدمان الهاتف والإنترنت وإدمان الإباحية لدى الجنسين”.
الوقاية من الأمراض النفسية
كما ذكرنا الإحصائيات والأرقام وأبرز الأمراض، لا بد أن نأتي إلى نقطة الوقاية، فالوقاية خير من العلاج. فكما تهتم بصحتك الجسدية، عليك أن تعطي أهمية للصحة النفسية.
فقد تأتيك الأمراض المزمنة بسبب مرض نفسي لم تعطه أهمية أو تتعامل معه بجدية، لكن جسدك كان يصرخ بقوة حتى انهار. وستلاحظ كثيرًا عند الطبيب الذي يخبرك أن مرضك الحالي ليس مشكلة عضوية بل نفسية؛ استشر أقرب طبيب نفسي للعلاج.
لذلك قال الطبيب النفسي عمر أشرف إنه يجب “الاهتمام بالنوم المنتظم، وبناء علاقات صحية حقيقية، وتقليل المقارنات على وسائل التواصل، وممارسة الرياضة، والتعبير عن المشاعر، وطلب المساعدة المتخصصة في الوقت المناسب”.
وأوضحت المعالجة النفسية بشرى مسعي: “ربما لدي مجموعة نصائح للوقاية من مختلف الأمراض النفسية، وهي العناية المستمرة بالنفس، وكل الممارسات التي من شأنها تعزيز الصحة النفسية، وتطوير النفس وإكسابها مهارات للتعامل مع الضغوط والتحديات، والابتعاد عن العلاقات الاستغلالية السامة، وطلب المساعدة المتخصصة مثل جلسات استماع مع أخصائي نفسي أو جلسات علاجية عند الحاجة لها. وتبقى نصيحتي الذهبية أنه من الضروري أن يتوقف الإنسان حين يتعب، لا حين ينهار، أو أن ينتظر حتى يتعب كليًا ووقتها يتوقف، أو حتى حين تشير مؤشراته الداخلية إلى حالة تعب، وليس أن يتوقف مجبرًا أو حينما ينهار ويُستنزف نفسيًا”.
الصحة النفسية ليست رفاهية
ختامًا، صحتك النفسية ليست رفاهية. لا تنظر لتعبك الداخلي على أنه مجرد إرهاق سيزول في الصباح الباكر بعد جولة من النوم. إن لنفسك عليك حق. نعرف جميعًا أن الحياة متعبة، لكنها ستظل كذلك، وهي على الجميع من مختلف الطبقات. الفارق الوحيد في نوعية التعب، لكن الكل يشعر به، ويعاني منه، وسيضطر للتعامل معه مهما حاول الهرب.
لذلك عليك أن تعطي صحتك النفسية أولوية في جدول يومك. وكما قرأت في هذه السطور، فإن الدراسات الأكاديمية من المؤسسات الكبرى والواقع الفعلي من المعالجين النفسيين يقول إن الأمراض النفسية أصبحت منتشرة.