بين المستحيل وشبه المستحيل

بين المستحيل وشبه المستحيل

منذ أن تحوّلت “نقِد” إلى مشروع فعليّ، كرّست وقتي بالكامل له مع الفريق، وضعت في مكتب المنصّة شيئًا من كلّ ما يعني لي.

في مدخل المكتب، علّقنا رسومات وملصقات بحثنا عنها طويلاً واشتريناها: إعلان حفل فيروز في بعلبك عام 1961،
ملصق فيلم Avengers: Age of Ultron،
مقولة محمود درويش “قف على ناصية الحلم وقاتل”،


وآخر ملصق لم نعثر عليه في أي مكان، فصنعناه بأنفسنا — عنوان مقال سمير قصير الذي كتبه بعد شهر تمامًا من 14 آذار 2005، بتاريخ 15 نيسان: “ليس الإحباط قدراً”.

أحببت هذه العبارة منذ صغري، ومن أوائل لحظات وعيي السياسي. كنت أسمع فيها دفعةً للأمام، تذكيرًا يوميًا بأنّ الواقع القائم ليس أبديًا، وأن تغييره ممكن بالفعل، بالحركة والعمل.
لكن مع مرور الوقت، ومع الجمود وتراكم الظلم، بدا رفع الإحباط أصعب وأبعد كل يوم. شعرت أحيانًا أن سمير لم يتوقّع أن يشطح هذا العالم إلى هذا الحدّ صوب اللاعقل واللامنطق، حتى بات قتل الإحباط بحد ذاته مهمة شبه مستحيلة.

لكن ما لم أكن أفهمه، أن بين “شبه المستحيل” و”المستحيل” يكمن كلّ الفرق، وكلّ المعنى، وكلّ الهدف.
هذا ما تعلّمته مؤخرًا، وهذا ما كان يعرفه سمير جيدًا، منذ أكثر من عشرين عامًا.

حين استسلمت غالبية النخب السياسية والإعلامية في لبنان لفكرة أن زوال نفوذ الأسد وجيشه وسياسييه أمرٌ مستحيل، تأقلموا مع الواقع، وابتلعوه، فصاروا فطريات على حواف النظام، يقتاتون من فساده.
أما سمير، فأدرك أن الواقع ليس قدَريًّا، ولا مغلقًا. وأن تغييره ممكن — لا في لبنان فقط، بل في سوريا أيضًا.

كان يعرف تمامًا أن ثمن مواجهة “شبه المستحيل” مرتفع. ومع ذلك، خاطر بحياته من أجل الحلم، من أجل كسر الإحباط والعبور نحو واقع آخر.
وهذا ما فعلته جيزيل خوري أيضًا، معه وبعده.

أعطت جيزيل كل وقتها وطاقتها لنفس الفكرة والهدف.
بوسائل كبيرة أحيانًا — كالمؤسّسة، الجائزة، والمهرجان —
وبوسائل صغيرة أحيانًا أخرى — كضحكتها، فرحها، ورُقيّها الجميل، الذي كانت تعلم أنه يغضب قاتل سمير… ربما أكثر من أي شيء آخر.

تعود ذكرى الاغتيال هذا العام للمرة العشرين، والعالم أقلّ وحشية بقليل، وكأن معظم ما كان واقعاً، آمن سمير بأن تغييره معقول، على عكس الكلّ، قد تغيير فعلاً.

إنها الذكرى الأولى بعد هروب بشّار الأسد وسقوط نظامه. كثير من الإحباط انكسر فعلًا.


سمير كسب الرهان، مرّة أخرى. فيكفي التأمل في مشهد اليوم لنعرف من كسب المعركة:

غدًا، يجتمع أصدقاء سمير وجيزيل من كل أنحاء العالم العربي.
يُكَرَّمون ويُكَرِّمون، باسم سمير قصير، الصحافة الحرة.
يحيون ذكرى صديقهم الأحبّ، بشوق، ولكن أيضًا بامتنان كبير، وفخر أكبر.
فخورون به، وفخورون بأنفسهم لأنهم حافظوا على اسمه، وامتدوا به بعيدًا في فضاء الحرية والصحافة، وأكملوا درب جيزيل من بيروت — المدينة الأحبّ إلى قلبها.

حاضر هو سمير قصير اليوم، أكثر من أي وقت مضى، وحاضرة هي جيزيل، بكل جهودها ورسالتها، وحاضرة هي بيروت، لم تغب عنها الشّمس، رغم كل ما حيك لها من غيوم.
بينما غاب بشار الأسد — من التاريخ، من سوريا، وقبلها من لبنان. ترك كل من عمل معه، وهرب.
يكرهه الناس، ويتبرؤون منه، لا يذكرون اسمه ولا شكله.

لا يموت الإنسان حين يُقتل. بل حين يُنسى. وسمير وجيزيل، لم يُنسَيا، لم يموتا. هما هنا — في أحاديث الناس، في شوارع المدن، في أقلام الكتّاب، وفي حقائب الطلّاب.
أي حياة أوسع من هذه؟

من مات فعلاً هو بشّار الأسد في منفاه، مات على الشاشات، في الخطابات، ومات في عيون الناس

ليل السبت – الأحد، 8 كانون الأوّل، تابعت أخبار سوريا حتى ساعات الفجر الأولى. غلبني النعاس، فغفوت لساعة،  استيقظت، والتفتُّ إلى هاتفي،
أوّل ما قرأت، رسالة قصيرة من شقيقي، كتب لي فيها:
“ليس الإحباط قدراً”.

عندها عرفت —
الإحباط مات،
الأسد مات،
وعاش سمير،
وعاشت جيزيل،
إلى الأبد، في بيروت.