17 May 2026
Like this post
شهد متوسط سنّ الزواج لدى الرجل اللبناني تبدّلاً عميقاً خلال العقود الأخيرة. فبعدما كان الزواج في التسعينيات يحصل غالباً في منتصف العشرينات، بات اليوم يتجاوز الثلاثين عاماً لدى نسبة كبيرة من الرجال، في تحوّل لا يرتبط بتغيّر اجتماعي عابر بقدر ما يعكس انهياراً تدريجياً في شروط الاستقرار داخل لبنان.
فالزواج، بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب اللبناني، لم يعد قراراً عاطفياً أو خطوة طبيعية مرتبطة بالعمر، بل تحوّل إلى عبء مالي ومسؤولية ثقيلة تتطلّب قدرة مادية باتت خارج متناول معظم اللبنانيين. ومع الانهيار الاقتصادي الذي ضرب البلاد منذ العام 2019، تراجعت الأجور بشكل حاد، فيما ارتفعت الأسعار بوتيرة غير مسبوقة في مختلف القطاعات، من السكن والأثاث إلى الاستشفاء والتعليم والخدمات الأساسية.
وتشير التقديرات إلى أنّ نحو 70% من الرجال اللبنانيين يتقاضون رواتب تتراوح بين 400 و700 دولار شهرياً، في وقت قد تتجاوز فيه كلفة الزواج وحدها 20 أو 30 ألف دولار، ما يجعل فكرة تأسيس عائلة بالنسبة إلى كثيرين أقرب إلى مشروع مؤجّل لا إلى خطوة واقعية قابلة للتحقق.
لكنّ الأزمة الاقتصادية وحدها لا تفسّر هذا التحوّل. فلبنان يعيش منذ سنوات في حالة دائمة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، حيث بات المستقبل نفسه غامضاً ومعلّقاً. وفي بيئة كهذه، يصبح التخطيط لحياة طويلة الأمد أمراً شديد الهشاشة، خصوصاً لدى جيل يعيش بين الخوف من الانهيار، والبطالة، والهجرة، والتصعيد الأمني المتكرّر.
كما لعبت الحروب دوراً أساسياً في تكريس هذا الواقع. فكل مواجهة أو تصعيد جديد يعمّق الشعور بعدم اليقين، ويُعيد إنتاج الخوف من المستقبل، ويدفع مزيداً من الشباب إلى تأجيل الزواج بانتظار استقرار لا يبدو قريباً. وهكذا، لم يعد ارتفاع سنّ الزواج لدى الرجل اللبناني مجرّد تفصيل اجتماعي، بل مؤشراً واضحاً على بلد تتآكل فيه تدريجياً القدرة على بناء حياة مستقرة وطبيعية.

