12 May 2025
Like this post
استفاقت نقابة المحامين نهار السادس من أيار عازمة تحقيق نبوءة الكاتب السوري زكريا تامر “الرؤوس المقطوعة”. قررت بذلك تنفيذ أوامر “صاحب الرأس الكبير” وقطع رأسي المحاميَين محمد صبلوح وخالد صباغ، الناشطين في توثيق انتهاكات المحكمة العسكرية وبعض الأجهزة الأمنية، ليصبحا كغيرهما من مقطوعي الرؤوس، مكتومي الأفواه. وأصدرت تعميمًا يمنعهما وأيّ محامٍ من الظهور الإعلامي وفضح ما يرتكبه بعض القضاة والأجهزة الأمنية والمحكمة العسكرية من دون الحصول على إذن مسبق يضمن بياض الكلام.
يذكّرنا هذا القطع بمحاولة قطع مماثل حاول ممارستها وزير العدل السابق هنري خوري بحق رئيس محكمة تنفيذ بيروت فيصل مكي، المعروف بمواقفه الجريئة في الدفاع عن استقلالية القضاء. وفشلت تلك المحاولة بإصدار رئيس التفتيش القضائي أيمن عويدات قرار بحفظ الشكوى. وحدث ذلك منذ ما يقلّ عن شهر، فهل هو زمن قطع رؤوس رجال القانون؟
تعود محاولة التسكيت هذه لمضمون حوار دار بين المحاميين على مقطع فيديو نُشر في الفترة الأخيرة عبر يوتيوب. أثناء الحوار أدان أ. صبلوح الجيش في قضية انتحاري الكوستا واتهم ضابطاً لم يذكر اسمه بتلفيق ملف الإرهاب لعمر العاصي. وصرّح أن الأمن الذي كان يعمل تحت نظام بشار الأسد لا يزال يعمل حتى اليوم في وزارة الدفاع تحت أجنحة ضابطين مشرفين على التعذيب ملقبين بـ”صقر” ونسر”. كما فضح أساليب تعذيب مستخدمة تشبه تلك التي سمعنا عنها كثيرًا بعد تحرير سوريا، تلك التي قال إنها تؤدي إلى توقيع الموقوف على اعترافات كاذبة مقابل التوقف عن تعذيبه فقط.
إن البيان ما هو إلا نتاج خوف ومحاولة لإسكات فضح أكثر وأفظع لانتهاكات مارسها ولا يزال يمارسها الحزب على أيد أجهزة الدولة التي ما برحت تمارس سياسته باسم القانون والتهم الملفقة. هي محاولة لتجنب خسارة مؤسسات لا يزال يسيطر عليها، مؤسسات قد استغلها بشكل صوري وبائس في مواجهة العدو الصهيوني وبشكل فعلي لتطوير مشروع إيراني وسوري قد فشل. هي خطوة أولى في طريق إزالة الحصانة على المحاميين و”تركيب طرابيش التلفيق” على رؤوس لم يستطيعوا قطعها. هي محاولة بدائية لإعادة إنتاج مظلة التطرف السنيّ إلى طرابلس من خلال تجريمهما وصبغهما بزعزعة الأمن، من ثمّ المسكنة إلى المجتمع الدوليّ بأن المشكلة ليست بسلاح حزب الله، بل مع الإرهاب السنيّ، الذي أوجدته الدولة العميقة لصرف الانتباه عنها، والذي عاد ليرفع رأسه. هي محاولة مثيرة للشفقة لتأجيل أو الهروب من نزع السلاح بتهميش طرابلس من خلال شخص محامييها أ.صبلوح و أ. صباغ.
نحن نرفض الخطوات الأولى هذه للمحاولة المستجدة لتهميش ثاني أفقر مدينة على البحر المتوسط بعد غزة. ونرفض استقواء فئة على فئة فتكون الثانية كبش محرقة للأولى. ونرفض أي سلاح ليس تحت جناح الدولة فيهدف لتنفيذ مصالح فئة على حساب أخرى معتبرة تدمير لبنان وناسه وأعمارهم وأحلامهم أضرار جانبية. فالمشكلة لا تكمن في السلاح “الشيعيّ”، بل في السلاح المتسلط غير الشرعي، إن كان “سنيًّا” أو “علويًّا” أو “مارونيًّا” أو “درزيًّا” أو “روم أرثوذكسيًّا أو كاثوليكيًّا”، وإن كان “أبيضَ” أو “أسودَ”، وخصوصًا إن كان “مأسستيًّا”، و”ورقيًّا”، و”قانونيًّا”. نحن بذلك نريد خلع الأنانية القبلية المتجذرة فينا والتخلي عن الحاجة لكتابة مقال ندافع فيه عن فئة من فئة فيساهم على المستوى اللاواعي في تأجيج إحساس الـ”انا” ضد “الآخر” فينا. فلا وجود للـ”أنا” ولا للـ”الآخر”، بل فقط للـ”نحن” تحت سقف واحد.
على العهد الجديد الكريم بإطلاق وعود وقف عمليات قطع الرؤوس هذه وبدء وضع آليات صيد الصقور والنسور والحيوانات الكاسرة كافة أو على الأقل قص أجنحتها، كما حُلِقَتت لبدة ملكهم الأسد. فنحن نرفض أن نكون حمزةَ زكري تامر، فنستفيق من قيلولة مئة عام مشتاقين للحياة، لنجد الناس تتمشى بلا رؤوسها في الشوارع، فيقبض علينا جنود “صاحب الرأس الكبير” ويأخذونا إليه،خذونا إلي فيأمر بقطع رؤوسنا، ونرتاح.
وإن حدث ذلك، وقطعت رؤوسنا، وأخرست حناجرنا… تالله لتنطقنّ أقلامنا.