لبنان يفاوض لا يفاوض عنه ولا عليه

لبنان يفاوض لا يفاوض عنه ولا عليه

سُجِّلت بالأمس لحظة مفصلية كسرت نمطاً طويلاً من التبعية والتهميش: للمرة الأولى، يجلس #لبنان عن نفسه على طاولة واحدة مع #إسرائيل، في مفاوضات مباشرة في واشنطن، لا بوسيط يتكلم باسمه، ولا بأطراف تُملِي عليه شروطها، بل بوفد رسمي يمثّل الدولة اللبنانية حصراً.

للمرة الأولى، لا تتحدث عنه الدول، بل يتحدث هو عن نفسه. لا إيران تفاوض عنه، ولا فرنسا، ولا أي طرف آخر يدّعي الوصاية أو الحماية.
يجلس على الطاولة بصفة دولة لبنانية سيادية، ويفاوض فقط بما يصبّ بمصلحة الوطن.

الأهم من ذلك، أن لبنان يفاوض بلا وصاية حزب الله. لا في تشكيل الوفد، ولا في تحديد البنود، ولا في رسم السقف السياسي. للمرة الأولى، تختار الدولة بنفسها ماذا تريد، بلا إملاءات. وهذه بحد ذاتها سابقة، حتى ولو لم تُترجم فوراً إلى نتائج ملموسة.

صحيح أن الطريق ليس سهلاً، بل يكاد يكون مستحيلاً في ميزان القوى الحالي. لبنان لا يملك أوراق ضغط حقيقية ليقدّمها في هذه المفاوضات، وعلى رأسها ملف سلاح حزب الله الذي لا تزال الدولة عاجزة عن حسمه.
لكن، على الرغم من ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية الخطوة. لأن السياسة لا تُبنى فقط على النتائج، بل أيضاً على المسارات. وما حصل هو بداية مسار مختلف: مسار تحاول فيه الدولة أن تفصل نفسها، عن واقع هيمنة حزب الله، الذي فُرض عليها لسنوات.

قد لا تنجح هذه المفاوضات في إنهاء الحرب. قد لا تصل حتى إلى وقفٍ فعلي لإطلاق النار. لكن ربما تنجح في تحقيق الحد الأدنى: تحييد المدنيين، حماية ما تبقى من البنية التحتية، أو حتى تثبيت فكرة أن لبنان لم يعد ساحة مفتوحة لحزب الله.

في النهاية، قد يختلف اللبنانيون على جدوى التفاوض من أساسه، وقد يشككون في نتائجه، لكن الأهم، هو أن تصل المفاوضات إلى نتيجة ملموسة بما أنها انطلقت، ليتوقف القتل والدمار والحرب نهائياً.