الحقيقة شهيدة الحرب

الحقيقة شهيدة الحرب

زمن الحرب لا يترك ترفاً للصحافي. لا ترف الحياد، لا ترف الأمان، ولا حتى ترف البكاء. في لبنان، حيث القصف لا يميّز بين جسد وكاميرا، وبين صوت وصدى، وُلد نوع آخر من الصحافة، صحافة تُكتب بالقلب، وتُمارس بالخوف، وتُدفع كلفتها من الحياة نفسها.

أكتب هذه الكلمات لا كمن يراقب المشهد من الخارج، بل كمن كان داخله، أو لا يزال يحمل غباره على ملابسه وصوته وذاكرته. في لحظة ما، تصبح الصحافة شهادة حياة لا تعود وظيفة مهنية. ليست تغطية عابرة، إنما نجاة مؤجلة.
نحن لسنا فقط من ننقل الخبر، من نمرّ وسطه، نلمسه، ونخرج منه محمّلين بما لا يُقال على الهواء. رجفة اليد بعد كل صوت انفجار، انقطاع النفس لثوانٍ طويلة، ونظرة سريعة نحو السماء قبل أن نقرر إن كانت الضربة قريبة بما يكفي لنركض. وهنا نقف خلف عدسة لم تعد مجرد أداة توثيق، إنما درعاً هشّاً لا يحمي شيئاً.
في لحظة ما، يصبح السؤال هل سنبقى أحياء لننقل الخبر أصلاً؟

استهداف الصحافي لم يعد حدثاً استثنائياً في ساحات الحرب التي تتقاطع فيها النيران مع السياسة والذاكرة، بل احتمالاً يومياً، كأن الكاميرا صارت هدفاً بحد ذاتها، وكأن الحقيقة نفسها تُستهدف قبل أن تُقال. لسنا محايدين كما يظن البعض، نحن فقط عالقون في منطقة لا تسمح بالنجاة الكاملة. كل كلمة تُكتب اختيار بين أن تُقال ناقصة أو ألا تُقال أبداً. وكل صورة تُلتقط تحمل سؤالاً صامتاً هل كانت تستحق أن أكون قريباً جداً من الموت لأجلها؟
مرة بعد أخرى، لا يعود الصحافي شاهداً فقط، بل شاهداً مطلوباً. لأنه قرر أن يرى، فالرؤية نفسها فعل خطير. الكاميرا ليست بريئة، الصوت ليس محايداً، والميكروفون قد يُعامل كأنه سلاح.

خلال إحدى التغطيات، لم يكن الخطر بعيداً، بل كان قريباً لدرجة أن الصوت سبق الصورة. عندها فهمت أن الصحافي في الحرب لا يقف خارج الحدث، بل يصبح جزءاً منه، وأحياناً أول من يلامسه الخطر. تلك اللحظة لم أعد أفكر فيها في السبق الصحافي أو زاوية التصوير أو عنوان التقرير، فكرت في أنني لا أزال أتنفس، وأن شخصاً ما، في مكان آخر، سيشاهد ما نقلته من دون أن يعرف كم كان هذا المشهد قريباً من نهايتي.
وهنا أدركت أنه لا وقت للتنظير حول أخلاقيات المهنة كما تُدرّس في القاعات التي لم تعلّمنا كيف ننجو ونحمي أنفسنا؛ فقط قرارات سريعة تحت ضغط الخوف أن تبقى أو أن تنحني، أن تُكمل التسجيل أو أن تبحث عن غطاء، أن تقترب بما يكفي لتفهم أو أن تبتعد بما يكفي لتنجو. وأنا لا رغبة لي في الهرب أو الابتعاد، لكن الخيار ليس واضحاً، لأن الحقيقة نفسها تختبئ داخل دخان لا يترك مساحة للرؤية الكاملة، ولا يترك للصحافي خياراً واضحاً.

أما لبنان تحديداً، هذه البقعة الجغرافية الصغيرة التي لم يلتئم جرحها منذ سنين، يعيش الصحافي بين جبهات عدة، جبهة القصف، جبهة الانقسام الداخلي، وجبهة الخوف غير المعلن.
هنا، الاستهداف لا يأتي دائماً بصاروخ مباشر، بل أحياناً بنظرة، أو بتحذير، أو بضغط سياسي، أو بمحاولة إسكات ناعمة لا تقل قسوة عن العنف الصريح، مع محاولة لتعديل الرواية عبر طلب غير معلن بأن تُخفف اللغة، كأن الحقيقة يمكن أن تُخفض شدتها كي تصبح أقل إزعاجاً، ليصبح الخبر يطاردنا لا نحن من نطارده.

لكن الأخطر من الاستهداف الجسدي هو الاستهداف المعنوي أن يُطلب من الصحافي أن يكون آمناً، أي أقل حضوراً، أقل صدقاً، أقل اقتراباً من الحقيقة. لتتحول الصحافة إلى مرآة مكسورة؛ كل قطعة تعكس جزءاً من الحقيقة، لكن لا أحد يملك الصورة كاملة. ومع ذلك، يُطلب منه أن يقدّم القصة كاملة، بينما هو نفسه يعيش داخل قصة غير مكتملة، مرشوشة بالخوف، ومقطوعة الإشارة، ومثقلة بالنجاة الموقتة. نكتب ونحن نعرف أن الكلمة قد تُستخدم ضدنا، وأن الصورة قد تُحرّف، وأن الصمت أحياناً أكثر ما يُفهم خطأً.

أقسى ما في الحرب ليس ما نراه، بل ما نتعوّد على رؤيته. نبدأ العدّ من دون أن نشعر؛ هذا الانفجار الثالث اليوم، هذه العائلة التي نمرّ عليها بالكاميرا ولا نملك لها سوى التوثيق، هذا الطفل الذي يُختصر اسمه في سطر، وهذه الأم التي تبقى صورتها عالقة في العدسة أكثر مما تبقى في التقارير. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية للصحافي يتحول إلى شاهد قوي من الخارج، وعاجز تماماً من الداخل.

أنا الصحافي الذي قد لا يعود من التغطية، ليس لأنه يغامر فقط، بل لأنه قرر أن يوثّق وينقل الواقع. أنا الصوت الذي يختبئ خلف جدار، والعدسة التي ترتجف لكنها لا تنطفئ، والذاكرة التي تحاول أن تحفظ ما يُراد له أن يُمحى. أما الحقيقة التي أحملها على عاتقي، فأنا أنعاها شهيدة لأنها تُستهدف كما تُستهدف المدن، لتصبح الصحافة في زمن الحرب امتحاناً يُدرّس قبل أن تكون مهنة، تُمارس بأظافر مخدوشة، وبأرواح على حافة الانهيار.

لكن كل مرة تسقط فيها قذيفة، تُرفع كاميرا. كل وداع يُكتب تقرير. كل مواجهة يولد منها إصرار جديد على قول الحقيقة، ولو على جثث من نقلوها.