6 Nov 2025
Like this post
في قلب سجن رومية، حيث تتقاطع الجدران الصامتة مع صرخات السجناء المحجورة، فقد محمد مالك ظافر الأشرف، الشاب السوري البالغ من العمر 30 عامًا، حياته في ظروف أثارت علامات استفهام واسعة. إدارة السجن لم تُعلّق على خبر الوفاة، وفيما بعض السجناء يتناقلون رواية انتحاره؟ تقف والدته في وجه هذا الطرح، مؤكدة أن ابنها لم يشنق نفسه أبدًا، وأن حياته كانت مهددة قبل أيام قليلة إذا لم يسدد مبلغًا ماليًا محددًا.
في فيديو مصور عبر فايسبوك، كشف شقيقه أن محمد مالك كان مريضًا، وجسده مثقلٌ بالصدفية، ما يعني أنّه لم يكن يملك القدرة الجسدية ولا الصحية على تعليق مشنقة بنفسه.
الصور والمحادثات التي أرسلتها والدته توثق تهديدات مباشرة من ثلاثة أصدقاء له، أحدهم موقوفاً في رومية. مالك كان يحاول التواصل مع عائلته وزوجته لتأمين المبلغ، مؤكدًا وجود خطر حقيقي على حياته. من بين هؤلاء الأصدقاء، كان أحدهم داخل السجن نفسه، وقد كان يضع فوائد على المبلغ الذي اقترضه مالك، ما زاد الضغط عليه وهدد حياته بشكل مباشر.
والدته ناشدت الدولة اللبنانية والسورية عبر منصة “نقد” لكشف ملابسات وفاة ولدها ومحاسبة الجناة، مؤكدة أنها ضمنت جميع الأدلة من صور ومحادثات توثق التهديد الذي تعرض له، وهو ما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لتدخل قضائي مستقل وشفاف.
لكن وفاة محمد مالك ليست حالة منفردة. خلال أقل من شهر، فقد ثلاثة سجناء حياتهم في ظروف غامضة داخل رومية، وهو رقم يثير الريبة في مساحة جغرافية صغيرة. هذا يطرح تساؤلاً حيوياً: هل كل هذه الوفيات مجرد حوادث طبيعية أو أمراض مزمنة كما تحاول الإدارة ترويجه، أم أن هناك عوامل أخرى وراء هذه الوفيات؟
هذا السياق يعيدنا إلى تحقيقنا الاستقصائي السابق “سجنا رومية – وثائقي عن سجنٍ بطبقتين”، الذي كشف عن الفروقات الطبقية داخل السجن، وأظهر كيف يعيش السجناء في مستويات مختلفة من الحقوق والحماية. الوثائقي كشف أن بعض السجناء يحصلون على معاملة أفضل على حساب آخرين، وأن منظومة الرقابة غالبًا ما تغض الطرف عن التجاوزات والانتهاكات. وفاة محمد مالك اليوم تعكس استمرار هذا الواقع المؤسف، وتضع تساؤلات جدية أمام المجتمع اللبناني والقضاء حول مدى جدية حماية حقوق السجناء.
والدته رفضت تصديق رواية الانتحار، مؤكدة أن ابنها كان يواجه تهديدًا مباشرًا بالقتل إذا لم يسدد الأموال المطلوبة، وأنها تمتلك الأدلة التي تثبت هذه التهديدات. هذا التسلسل الزمني يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها: كيف تزامن وقت وفاة محمد مالك مع فترة التهديدات؟ ولماذا لم يفتح القضاء اللبناني تحقيقًا مستقلًا حول ظروف موته؟ وإذا كانت هناك جريمة، كيف تمكن الجاني من تنفيذها داخل زنزانة مغلقة؟
ما يجعل هذه القصة أكثر تعقيدًا هو الفروقات الطبقية داخل السجن، والتي كشفنا عنها في الوثائقي. مالك كان من بين السجناء الذين يواجهون ضغطًا مضاعفًا، ليس فقط بسبب وضعه القانوني، بل بسبب غياب الحماية والتمييز الواضح في التعامل داخل الزنزانات. هذا الواقع يجعل أي وفاة لغموضها مشكوكًا فيها، ويدعو إلى إعادة النظر في السياسات المتبعة تجاه السجناء الأكثر ضعفًا.
القصة اليوم ليست مجرد حادثة وفاة، بل مؤشر على خلل إداري وقضائي يحتاج إلى كشف ومحاسبة. مالك أصبح رمزًا لما يمكن أن يحدث للسجناء الذين يعيشون تحت التهديد والإهمال، وهو يضع القضاء اللبناني أمام مسؤولية حقيقية لضمان حقوق الإنسان داخل السجون، وللتأكد من متابعة القضاء لكل حادثة على نحو شفاف ومستقل.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل موت محمد مالك نتيجة لليأس والضغط النفسي، أم أن ثمة أبعادًا خفية وراء وفاته؟ وما هو دور القضاء في كشف الحقيقة وضمان أن أي تجاوز أو إهمال لا يتحول إلى موت متكرر بلا محاسبة؟ التحقيقات الرسمية، إن وجدت، لم تقدم إجابات واضحة حتى الآن، وهذا ما يجعل قصة مالك قضية يجب أن تتابع حتى النهاية، لتسليط الضوء على الواقع المظلم داخل سجون لبنان، وضمان حماية السجناء الأضعف وتفعيل آليات العدالة بشكل فعلي.
