21 Nov 2025
Like this post
سنة 2017، أصدر مجلس النواب اللبناني قانونًا جديدًا لانتخاب أعضائه وفقًا للنظام النسبي، يُقسَّم فيه لبنان إلى 15 دائرة انتخابية كبرى، تندرج ضمن كل منها دوائر صغرى تُحدَّد حدودها على أساس الأقضية. ينتخب المواطن بموجب هذا القانون لوائح على مستوى الدوائر الكبرى، ومرشحين ضمن الدوائر الصغرى أو القضاء.
في تلك الفترة وحتى موعد الانتخابات في أيار 2018، كان المواطنون غير مدركين تمامًا للقانون الجديد، إذ إنهم اعتادوا على قانون “الأكثري” أو “الستين” المعمول به سابقًا، والذي كان بسيطًا، حيث ينتخب المواطن من يريد على صعيد القضاء، ويفوز من ينال أعلى نسبة من الأصوات. كما أنّ التحالفات كانت واضحة ومحددة، إذ يتحالف من ينتمون إلى الخطّ السياسي نفسه في مواجهة خصومهم في الخطّ المقابل.
لم يقتصر ذلك على المواطنين فحسب، بل تعدّاه في كثير من الأحيان إلى المرشحين أنفسهم، إذ ساد التباس واسع حول كيفية تطبيق القانون، وكيف تُحتسب الأصوات والحواصل، ومن يفوز ومن يخسر، وكيف يمكن لمرشح أن يُهزَم أمام آخر حصد عددًا أقل من الأصوات التفضيلية.
من بين من كان ضحية القانون الجديد، كان المُرشح عن دائرة جبل لبنان الثانية (المتن) سركيس سركيس، الذي سارع في عقد تحالف مع التيار الوطني الحر، والمدفوع حينها بوصول مؤسّسه ميشال عون إلى موقع السدّة الأولى، معتقدًا سركيس أن ضمان موقع له في اللائحة سيكون حكمًا طريقًا للنجاح، إلا أنّ التيار أحسن توزيع أصواته بين مرشّحيه الأساسيين، ما ساهم في فوزهم على الرغم من حصول سركيس على أكثر من 4000 صوت.
حيلةٌ استعملتها أحزاب كثيرة للاستفادة من أصواتها، عبر رفد اللائحة بأصوات غير حزبيين في محاولة لتجميع أكبر قدر ممكن من الحواصل والكسور، وبالتالي المقاعد النيابية، ثم إدارة توزيع الأصوات بما يضمن نجاح مرشّحي اللائحة الحزبيين فقط.
لكن ما هي الخلطة السحرية في هذا القانون؟
كثيرٌ من الأحزاب لم تُعطِ جانب الكسر الأكبر القدر الكافي من المسؤولية، فعمدت إلى تحقيق أكبر عدد ممكن من الحواصل في الدرجة الأولى، ثم محاولة كسب الكسر الأكبر فيما بعد.
فعلى سبيل المثال، عمل حزب القوات اللبنانية في دائرة الشمال الثالثة (بشري–الكورة–البترون–زغرتا) في الانتخابات الأخيرة (2022) على تحقيق أكبر عدد من الحواصل، ثم السعي إلى الفوز بالكسر الأكبر. وقد نجح في الأولى لكنه فشل في الثانية، إذ فاز بثلاثة حواصل أي ثلاثة مقاعد، فيما لم يتمكّن من الفوز بالمقعد الرابع عبر الكسر الأكبر.
وبما أنّ “القوات” كانت قد حصلت على 39,844 صوتًا، فإنّ عملية احتساب المقاعد وفق النظام النسبي في الدائرة تُظهر أنّ لائحتها نالت حاصلًا انتخابيًا يوازي 3.29 مقعدًا، بعد استبعاد اللوائح التي لم تتخطَّ عتبة الحاصل. وبذلك تكون قد ضمنت ثلاثة مقاعد نيابية. غير أنّه، وبعد توزيع المقاعد على اللوائح، بقيَ مقعدان يُصار إلى منحهما وفق معيار “الكسر الأكبر”. وبما أنّ لائحتين أخريين تمتلكان كسرًا أعلى من كسر لائحة “القوات”، فقد فازتا بهذين المقعدين، رغم الفارق البسيط بين الكسور.
أما ولو استعمل حزب القوات اللبنانية “الخلطة السحرية”، من خلال تقسيم أصواته على لائحتين أساسيتين، الأولى تحصل على 1.87 والثانية على 1.42، وبالتالي تستطيع كلا اللائحتين الحصول على حاصل وكسر أكبر، وبالتالي مقعدين، فتكون نتيجة الدائرة كلها أربعة مقاعد بدلًا من ثلاثة.
طريقة ممكن أن تُستعمَل في كل الدوائر التي يتمكّن فيها أي حزب من تخطي ثلاثة حواصل، فيستعملها الاشتراكي والقوات في الشوف–عاليه، والثنائي في بيروت الثانية، وتحالف المردة–التيار في الشمال الثالثة.
في الحقيقة، إنّ اعتماد هذه الطريقة يَحمل قدرًا كبيرًا من المخاطر، لأنها تتطلّب ظروفًا دقيقة ومهيّأة مسبقًا لكي تنجح. فأي خطأ بسيط في توزيع الأصوات بين اللائحتين قد يؤدي إلى خسارة الكسر الأكبر في إحدى اللائحتين، وبالتالي فشل الخطة بالكامل.
ومن يرغب في تطبيق هذه “الخلطة” يحتاج إلى قوة انتخابية متماسكة، سواء كانت تحالفًا واسعًا أو حزبًا يمتلك بنية تنظيمية راسخة، شرط أن يكون لديه جهاز انتخابي قادر على إدارة الأصوات وتوزيعها بدقّة على المرشحين لضمان تحقيق التوازن المطلوب.
في النهاية، تظهر الانتخابات في لبنان اليوم أنها لم تعد مجرد سباق بين مرشحين، بل لعبة دقيقة تتطلب التخطيط والتنظيم لكل صوت. “الخلطة السحرية” مثال واضح على أن القدرة على توزيع الأصوات بشكل محكم قد تصنع الفارق بين الفوز والخسارة، بينما أي خطأ بسيط قد يقلب النتائج رأسًا على عقب، ما يجعل السياسة الانتخابية مزيجًا من الحساب الدقيق والذكاء الاستراتيجي.