لبنان  ينتزع وقف اطلاق النار لنفسه بنفسه

لبنان ينتزع وقف اطلاق النار لنفسه بنفسه

عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار بين #لبنان و# إسرائيل، سارعت أطراف في ما يُعرف بمحور الممانعة إلى فرض رواية جاهزة مفادها أن ما جرى هو نتيجة ضغوط إيرانية، في محاولة واضحة لمصادرة القرار اللبناني وإلحاقه بسردية محور إيران الأوسع.

غير أن الوقائع، هذه المرة، لا تُسعف هذا الخطاب.

فخلال أكثر من أسبوع ونصف، كرّرت إيران ربط أي وقف إطلاق نار يخصّها بوقف مماثل في لبنان. لكن على الأرض، بدا المشهد منفصلاً بالكامل عن هذا الادعاء: ضربات يومية طالت مختلف المناطق اللبنانية، من دون أي أثر عملي لهذا الربط، فيما اقتصر الحضور الإيراني على تصريحات سياسية متضخّمة، فقيرة في المضمون، وعاجزة عن إحداث أي تحوّل ميداني.

وتبلغ المفارقة ذروتها في التوقيت نفسه الذي شهد تصعيداً دموياً غير مسبوق، في ما يمكن وصفه بـ”الأربعاء الأسود”، مع مجزرة إسرائيلية أودت بحياة 357 قتيلاً وأوقعت أكثر من 1200 جريح. في لحظةٍ كان يُفترض أن تتحوّل فيها “الضغوط” المعلنة إلى أفعال رادعة، اتخذ السلوك الإيراني اتجاهاً مغايراً تماماً: بعد أقل من 24 ساعة فقط، كانت وفود إيرانية تنخرط في مسار تفاوضي مباشر في إسلام آباد مع الولايات المتحدة. انتقالٌ سريع من خطاب التصعيد إلى طاولة التفاوض، كشف بوضوح الفجوة البنيوية بين ما يُقال وما يُفعل، وأعاد ترتيب الأولويات بعيداً عن الساحة اللبنانية، في لحظةٍ كانت تتطلّب فعلاً لا بيانات.

بهذا المعنى، لا يمكن نسب وقف إطلاق النار إلى ما يُروَّج له من “ضغوط إيرانية”، خصوصاً حين تبقى هذه الضغوط مجرّد خطاب بلا ترجمة فعلية. ما حدث لم يكن انعكاساً لمعادلة إقليمية، بل نتيجة مسار لبناني فرض نفسه رغم كل شيء.

العامل الحاسم كان واضحاً: قرار لبناني سيادي بالتفاوض المباشر، انطلاقاً من مصلحة وطنية، من دون انتظار إشارة خارجية أو الارتهان لها.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، لا بدّ من إعادة ضبط البوصلة: وقف إطلاق النار هذا انتزعه لبنان بقراره، لا كامتدادٍ لدور إيران، بل على الرغم منه.