غزة التي لا تزال تحترق بالوقت

غزة التي لا تزال تحترق بالوقت

إن غزة التي تصطلي بنيران الغارات المسموعة لا تزال تصطلي بنيران أشد قوةً وإيلاماً، لكنها تمارس بصمت، وتغرز كسكينة مسمومة.
غزة اليوم أكثر وجعاً من كل أمس، وغداً أكثر وجعاً من اليوم… وأي شمس تشرق فوق غزة فهي شمس تمدّ المأساة عمراً.

إن القضايا الإنسانية التي صارت آلة حرب جديدة لا يمكن السكوت عنها: ملفات الجرحى والمرضى، تقتير دخول الأدوية، والانتقاء بين الضرورات إذ يسمحون لدواء دون الآخر. ولا ينفكون عن إحداث فراغ وحاجة في المنظومة الصحية. وهذا لا شيء أمام مصادرة فرصة الحياة ببوابة معبر.

أولئك المرضى المتعبون، الذين طاولتهم يد الحرب اللعينة، الذين يُزاحمون بتقاريرهم آلامهم، وينتظرون خطوة واحدة تعادل ألف معادلة معقدة من السياسة، تلك السياسة المشرّعة التي تجعل المريض ورقة تفاوض، وتجعل الحاجة الإنسانية أداة حرب. يصطفون خلف أوهام الأمل، ينتظرون فرصةً للعلاج كفرصة إبليس في الجنة. يموتون بصمت ويطبخهم الأمل على شمعته ببطء… يسهرون ليلاً بأوجاعهم، وصراخهم مادة للإعلام لا غير.

ما الذي يمنع الإسراع في خروجهم؟
ما الذي يصادر منهم حق العلاج، ذلك الحق الذي شرعته الشياطين كما الملائكة؟ ما الذي يجعل آلامهم تقف في طابور من التنسيقات؟
لماذا على أبناء غزة أن يغرقوا في المأساة؟
لماذا على المريض فيهم أن يموت في خيمته؟
هل يخرس الغزيّ إلى الأبد في سكناه ومرضه؟ هل تصير خيمته معيشته وقبره؟

إننا لا نتحدث في موضوع من زيادة الحبر. إنه موت يركض ناحية آلاف الغزيين الذين لا أمل لهم ولا فرصة إلا بخطوة السفر، وبوابة المعبر. فضلاً عن آلاف القضايا الإنسانية العالقة في غزة، وآلاف الملفات التي يظنون أنها تسقط بالتقادم.

فالعيش في الخيمة إلى متى؟
والحرب مع القوارض إلى متى؟
ومن يطعم جوعى الشؤون التي غابت؟
ومن يطبطب على الموظفين الذي حولتهم الحكومات إلى متسولين؟
ومن يساعد الطلبة في الخروج إلى فرصهم في التعليم الجامعي، تلك الفرص النادرة التي صارت على المحك؟
وغيرها من القضايا والملفات الإنسانية الكثيرة التي لا يمكن حصرها في عناوين سريعة…

ما عليكم أن تعرفوه جيداً، هو:
أن غزة لا تزال تصطلي بنيران لا غبار لها، ولا صوت،
إنها تحترق بالوقت، بالوقت تحترق غزة.

فما جدول الوقت للخلاص من مآسي من هذا النوع؟
وما هو التحرك الذي تحدثه ضمائر الأحرار؟
وما هو الرأي؟
وهل للتساؤل قيمة، وقد أجابتنا الأيام؟