22 May 2026
Like this post
يُنَادُونَنِي فِي السِّلْمِ يَا ابْنَ زَبِيبَةٍ وَعِنْدَ صِدَامِ الخَيْلِ يَا ابْنَ الأَطَايِبِ
بهذا البيت لخّص عنترة بن شداد مكانته بين قومه: يُستدعى عند الحاجة، ويُهمَّش عند اقتسام المكانة والاعتراف. وهذا تمامًا ما ينطبق اليوم على حال الأرياف السورية وعلاقتها بالسلطة المركزية.
فبينما تتجه ميزانيات ضخمة إلى مشاريع تجميلية لا تندرج تحت بند الضروريات، يستمر التهتك في البنية الخدمية للأطراف والأرياف، وكأن هذه المناطق خارج حسابات الأولوية الوطنية. والمفارقة أن العمود الفقري الحقيقي لمختلف القطاعات ــ العلمية والخدمية والعسكرية والإنتاجية ــ كان ولا يزال في معظمه من أبناء الريف، قبل الثورة وخلالها وبعدها.
لقد أثبت أبناء الأطراف أنهم الثروة البشرية الحقيقية، لكنهم في المقابل يواجهون تراجعًا يوميًا في الخدمات والبنى التحتية، حتى بات الإهمال جزءًا من المشهد المعتاد. غير أن الأخطر من التدهور الخدمي نفسه هو ما يخلّفه هذا الواقع من آثار عميقة وخفية.
أول هذه الآثار هو البعد النفسي. فالإنسان يتأثر بالصور من حوله والعيش وسط الدمار والفوضى والتشوهات البصرية ينعكس تدريجيًا على السلوك العام. حين تصبح الطرق المحطمة، والخدمات العشوائية، والإهمال المستمر مشهدًا يوميًا، يبدأ الفرد بالتكيف مع الفوضى بوصفها أمرًا طبيعيًا. ومع الوقت، يفقد الانضباط والقانون قيمتهما في الوعي الجمعي، لأن الإنسان لا يرى أثرًا حقيقيًا لالتزامه في بيئة مهملة ومنهكة.
كما يساهم هذا الواقع في تعميق الشرخ المناطقي بين أبناء الريف وأبناء المدن، ويغذي بصورة غير مباشرة شعورًا بالتمييز والصراع الطبقي وفقدان الانتماء الوطني المتوازن.
أما اقتصاديًا، فإن استمرار تهميش الأطراف يدفع بالكفاءات إلى الهجرة، إما نحو المدن الكبرى أو خارج البلاد، ما يؤدي إلى استنزاف الطاقات البشرية وتعطيل أي فرصة حقيقية للنهوض والتنمية المستدامة.
يبدو أن الحكومة تنسى حقيقة بديهية في علم الاقتصاد والتنمية: كلما اتسعت رقعة المناطق المنتعشة اقتصاديًا ارتفع الناتج المحلي الإجمالي، وكلما تقلصت مساحة المناطق المنتجة تراجع الاقتصاد بأكمله.
لا يمكن الحديث عن اقتصاد قوي مع أرياف منهكة، وطرق مدمرة، وكهرباء متقطعة، وخدمات غائبة. فلا يوجد إنتاج حقيقي من دون بنى تحتية حقيقية. الزراعة تحتاج طرقًا وأسواقًا وطاقة، والصناعة تحتاج نقلًا واستقرارًا وخدمات، وحتى التعليم والصحة هما جزء من دورة الإنتاج.
حين تُترك المناطق المنتجة خارج خطط الإنعاش، تتحول تدريجيًا إلى مناطق طاردة للسكان والكفاءات، فتخسر الدولة المورد البشري والإنتاجي معًا. لذلك فإن دعم البنى التحتية في الأطراف ليس عملًا خدميًا فقط، بل استثمار مباشر في الاقتصاد الوطني وفي رفع الناتج المحلي الإجمالي للدولة كلها.
قد يظهر المحافظون في الواجهة ويتحملون مسؤولية الواقع الخدمي، لكن من الواضح أن المشكلة أعمق من حدود الإدارة المحلية؛ فخلف المشهد قرارات مركزية، وأولويات إنفاق، وآليات توزيع للموارد قد تعيق أي محاولة حقيقية للإصلاح أو التنمية المتوازنة.
إن بناء الدول لا يكون بتجميل المراكز وترك الأطراف تتآكل، لأن الريف ليس هامشًا للدولة، بل أحد أعمدتها الأساسية. وحين يشعر أبناء الأطراف أنهم مجرد وقود للأزمات لا شركاء في الوطن، فإن الخلل يصبح خللًا في فكر.