13 Jun 2026
Like this post
يملّ الإنسان من روتينه اليومي، ويسعى جاهداً للقيام بنشاطات جديدة يكتب من خلالها صفحاتٍ فريدة من الإنجازات. كلّ صباح، يستقبل الإنسان فرصةً واعدةً تحطّ رحالها في مطار طموحه، ليستثمرها في وطنه الخاصّ، فهو الثائر في سبيل التغيير، والمناضل الدائم ليبقى كتابه متنوّع المحاور، ورائدًا في سرد حكاياته. وعُرف اللبناني بعشقه للتجديد، وباختراعاته الابداعية الدائمة التي تُضفي على الحياة نكهةً خاصّةً، وتُبقي الشمسَ مشرقةً في زوايا البلد. لكنّ الحروب سرقت منه أطنانًا من طاقته الانتاجية، وغدا الصمود عنده أعظم نجاحٍ، رغم تحوّله إلى استنزاف يومي يؤجّل عودته إلى نسخته الحيوية. وبين الوقوف على حافة الانهيار، وضبابية المشهد الحالي يستمرّ نزيف لبنان الغزير، لا مضمّد له، سوى اللبنانيين، بقدرتهم على التمسّك بصورةٍ يُمكن تسميتها “حياة”.
في زمنِ الحروب والأزمات، يتحوّل الجهاز العصبي والصحة النفسية للإنسان إلى بيتٍ مكوّن من غرفة ذات سرير بفراشِ نُسج قماشُهُ من الدموع والمخاوف، وداخل جوارير الغرفة علبٌ لا تُحصى، في كلٍّ منها أوراقٌ كُتب داخلها أحلامٌ وأمنيات وتطلّعات مستقبلية وصلوات شفاء وخلاص، وأوراق أخرى تستحضر أجمل الذكريات والأيام التي لا يحدث فيها شيء، ربّما كانت مملّة لكنّها مجرّدة من تسلية الحوف. في البيت أيضًا جُنينة لكنها لا ترى الشمس، مزيّنة ببالونات سوداء منتفخة، وعلى طاولتها قالب حلوى مرٌّ، وكأنَّ أهل البيت يحتفلون بعيد ميلاد النكبات التي لا تفارق لبنان. أمّا عن المطبخ، فالصحون تتسخ كُلّ يوم من كثرة امتلائها، ذلك لأنّ الفطور يأسٌ متواصل، والغذاء صبرٌ لا محدود، والعشاء قطعٌ لذيذة من الانتصار، بطعمِ الصمود، تعدُّها لهم الأخبار المطمئنة، وكأنّها أمست طاهيًا ماهرًا في الأطباق التي تُخفف أثقال ما يعانيه جهازهم العصبي. إنَّ المساء يؤنس أولاد الحرب من وحشتهم، ويحاول مرارًا أن يُذكّرهم بصلابتهم، وأنّهم “هنا” رغم إرباكهم من التنفّس خوفًا من الموت في أيّ لحظة ممكنة.
لنبدأ بالغرفة، فقماش السرير الممزّق بمقصّ الخوف، يكون ناتجًا عن يومٍ طويلٍ من متابعة أخبار الحرب، ومستجدّاتها. من خلال ذلك، يتخلّى الفرد عن روتينه ويمضي معظم وقته في متابعة الأخبار الواردة عبر شاشتَي التلفاز والهاتف. ويطلق علم النفس على قلق الحرب اسم “اضطراب التوتر الناتج عن عناوين الأخبار”. وبحسب موقع “المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية”، يُسبب التعرض لأخبار سلبية شعورًا بالتوتر أو القلق أو الحزن أو الخوف، ويستمر من يعاني من هذه المشكلة بالقراءة أملًا منه في أن يجد أخبار تُحسن من مشاعره السلبية هذه، ولكن المشكلة هنا أنه في الكثير من الأحيان لا توجد أخبار إيجابية تطمئن الشخص، ليدخل في دوامة من قراءة المزيد من الأخبار السلبية والسعي أكثر وراء ما يطمئنه، وتبين أن هذه العادة تؤدي إلى تفاقم مشاكل نفسية مثل الاكتئاب، اضطراب القلق العام، التوتر التالي للصدمة واضطراب الوسواس القهري. أمّا الجانب الآخر من الغرفة، وهو العلب والذاكرة.
تقول كريستين باتشو الخبيرة في “النوستالجيا” أي الحنين الى الماضي في مقال لها نُشر عبر موقع جمعية علم النفس الأميركية، إن الحنين إلى الماضي حلو ومرّ في آن واحد، فهو يذكرك بالتغيير من جهة، ومدى ثراء حياتك من جهة أخرى. وتضيف باتشو أنه “أثناء الأوقات الصعبة، الرجوع الى الماضي يقوينا من خلال تذكيرنا بكيفية تجاوز التحديات، أو الخسارة، أو الإصابة، أو الفشل. وتتابع “عندما نشعر بالحزن أو الإحباط، قد يكون من دواعي السرور أن نتذكر أننا ما زلنا الشخص الذي كان سعيدا وقويّا ومنتجًا”.
أمّا عن الجنينة، فكلّ وردة فيها أرقامٌ خيالية من الأزمات النفسية الناتجة عن الحروب، وكلّ وردة تحكي أزمةً معيّنة. واحدة تتنفّس قلقًا، وأخرى اكتئابًا، وأخرى ترتجف وتقبل على الذوبان. ولا يُمكن الاستشهاد بأي دراسة، فكلّ يوم تظهر مئات الدراسات، وتتغيّر الأرقام، وكأنّنا نحن أصحبنا بذاتنا أرقامًا. أصبحنا آلات، تتحكّم فينا الحروب، وتقصف نفسيّاتنا، ولا تعير اهتمامًا لمشاعرنا، وكأن كلمة “مشاعر” لم تعد موجودةً بقاموس البشريّة. إنّ هذه الجنينة أرضها مجحفة، غير صالحة للزراعة. في هذه الجنينة أيضًا طفل لبناني تائه، لا يتذكّر من هو وما قضيّته، كالحاضر الغائب ولا فرصة له لاكتشاف ذاته، فحضوره وكلامه خط أحمر على الهامش. وفي هذا السياق، قد أشارت تقارير صادرة عن منظمة اليونيسف في لبنان عام 2025 إلى أن نحو 72% من مقدّمي الرعاية أفادوا بأن أطفالهم يعانون من القلق والتوتر خلال الحرب. كما ظهرت صعوبات في التركيز وتراجع في التحصيل، وهو ما يهدد جيلاً كاملاً بفقدان فرصه التعليمية. والأخطر أن هذه الصدمات قد تتحول إلى اضطرابات طويلة الأمد مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، الذي قد يرافق الطفل لسنوات وربما مدى الحياة إذا لم يُعالج بشكل صحيح، بحسب دراسات صادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية.
وإذا عدنا إلى الفطور، لوجدنا أن الجهاز العصبي أصبح مبرمجًا على مرارة الأوضاع. فما أصعب أن يقتنع الإنسان بفكرة “روتين الحرب” ويعرف أنّ اليوم السيء قد يعقبه يومٌ أسوء، وأنّ الزمن راسٍ على سفينة الدمار المتواصل! وكم هو صلب بمحاولته القيامة والاستمرار! كم هو متعطّش للسلام الداخلي! يلهو بصوت فيروز وأغانيها كالسكر في فنجان القهوة التي أثبتت الدراسات أنّ في الاستماع اليها خلال الحروب حنين الى الماضي ، يلهو بالعمل وبالشغف كمضمّد للجراح. ما أصعب أن يتناول الجسد فطورًا متنوّعاً بطعام الإحباط، والخوف، والكربة! ومن المؤسف أن يكون الغذاء صبرًا على عبثية السلطات بالدنيا! من المؤسف أن نصبر على حروب ما كانت لوُجدت لولا طمع البعض بالسلطات، والمظاهر، واستمتاعهم بمرض رؤية المواطنين يخسرون أحباءهم، وأشياءهم الثمينة، وضيعهم، وجذورهم، ويموتون، فقط لأجل أشياءٍ لم يُريدوها! وما يُتعب أكثر أن تكون خطوات النهار التي مرّت على خير، أعظم انتصار للبنانيين. حقًّا، إنها دوامة الحاضر. ويا ليت الحاضر لا يكون! ليتنا نقفز من الماضي الى المستقبل، لأنّنا نعرف أنّنا على موعد مع الحياة.
لن أختم مقالتي هذه، فلا خاتمة لحربٍ دائرة لا تعرفُ بابًا موصّدًا. لكنّني سأشقّ روايانا المختنقة من دخّان الحرب، محاولًا إنجاح عملية الإصرار على العيش، مستعرضًا صورة الحرب، وصورة الحرص على الحبّ، حبّ الحياة التي وهبنا إيّاها الله، حبّ الطبيعة التي شوّهتها المعارك، حبّ الأزمنة الصادقة، المجرّدة من الهموم، حبّ الأمل، وتغلّبه على الألم. وبين الحبّ والحرب راءٌ لا تتعب من التملّص بنا، ونحن لن نقبل بأن ننصاع إليها. صحيحٌ أنّنا نُقتل كل يوم، تقتلنا قراءة الأخبار السيئة، وتنطفئ فينا خلايا الإيمان بغدٍ مشمس، لكنّنا متمسّكون بالأرض، موقنون أنَّ هناك ورودًا ستنبت ذات يوم، وتعوضنا عن الأشواك التي تفتك بنا. صحيحٌ أنّنا نكره النهار لأنّه وجودٌ بلا حركة: لا شمس، ولا ضحكة حقيقية. نهارٌ جامدٌ يُشبه رصاصات الحرب التي حولتنا إلى ثلاجات يأكل منها مقترفو جرائم الإنسانية، يقطعون أعناقنا، ويذبحوننا في ملحمة الميدان، ويتغذّون من دمائنا، فتطول أعمارهم في زرع الحقد والكراهية، وتنمية الشرور في العالم أجمع، لكنّ سماءنا أوسع من الميدان، وهي التي ستبثّ الفرح في الأفئدة، لأنَّ دعوة المظلوم تنتصر دومًا ولو تأخّرت.
اليوم، نحن ننتظر حربًا شاملةً قد تندلع في محاولة للقضاء على هذه الحرب التي هزمت كلّ معالم البقاء. والبقاء هو مستلزمات الحياة اليومية، ومظاهر الحياة السعيدة. هذه الحرب التي لنا لقاء معها، هي أشبه بثورة واسعة نرمّم من خلالها جسورًا مهدومةً توصلنا إلى برّ الأمان، نُرمّم أرواحًا بحجر التمرّد على القمع، ليكون الإنسان وجودًا لا كلمة في دفتر ضائع. اليوم، نسعى لكتابة نشرة إخبارية لا خبر حزين فيها، ولا عنوان يقطع النفس، ويخلق فينا الرهبة. اليوم، نترقّب الساعات المقبلة، والمستقبل الذي نرجو بأن يكون “قريبًا” فيكون ليل ونهار يوم آخر، وصورة أخرى. اليوم، أملي يكبر، وصوتي يعلو في وجه الظلم، لكنّني كالآخرين مللت من أن أكون ثائرًا لأنال أدنى حقوقي. أريد أن أكون ثائرًا لأنال لحظات أكثر لا تُنسى، وحياة أطول أترك من خلالها أثرًا عظيمًا. اليوم، أُريد أن تُهدم نفسياتنا في الحرب، التي أصبحت بيتًا لا ضوءَ فيه. أريد أن ندمّره بأيدينا ليعرف أنّ القوة التي في داخلنا لا تنحني لأعدائها. وسنبقى الطمأنينة أنفسنا. سنبقى وردةً في أرض مجحفة. سنبقى مقعدًا وطيدًة في جُنينة مكلومة. سنعود، لأنّ العود أحمد. ونحن والسلام صديقان ودودان ستجمعهما الجغرافيا ذات يوم، لأنّها تؤمن بقضيتهما، وتؤمن أنّ المسافات تُقضم عندما يكون السلام قلمًا بحبرٍ أبيض لا ينفد.