14 Jun 2026
Like this post
يواجه القطاع الزراعي في سوريا تحديات متزايدة في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، ما ينعكس على أحد القطاعات التي شكلت تاريخياً ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني ومصدراً مهماً للناتج المحلي الإجمالي.
وتشير تقارير دولية إلى أن القطاع الزراعي لا يزال يشكل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد السوري على الرغم من سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة. ووفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، كان القطاع الزراعي يمثل نحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي السوري، كما يشكل مصدر دخل رئيسياً لملايين السكان في المناطق الريفية. إلا أن القطاع تكبد خسائر واسعة خلال السنوات الماضية نتيجة تضرر البنية التحتية الزراعية وشبكات الري وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع مستويات الدعم.
وخلال الأعوام الأخيرة، ازدادت الضغوط على المزارعين بسبب التغيرات المناخية وتراجع معدلات الهطل المطري وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي. وأكدت منظمة الأغذية والزراعة أن المزارعين السوريين يواجهون تحديات متراكبة تشمل ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية وندرة المياه وتراجع خصوبة التربة وتأثيرات الجفاف، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حجم الإنتاج الزراعي واستدامة النشاط الزراعي في العديد من المناطق.
كما حذرت المنظمة من أن سوريا شهدت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أشد موجات الجفاف منذ عقود، ما أدى إلى انخفاض حاد في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح، وسط مخاوف من اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي وازدياد الضغوط الاقتصادية على الأسر الريفية التي تعتمد على الزراعة كمصدر أساسي للدخل.
ويشير عدد من المزارعين إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي خلال الفترة الأخيرة نتيجة زيادة أسعار الأسمدة والأدوية الزراعية، إلى جانب تأثيرات رفع الرسوم الجمركية وإلغاء الدعم عن المحروقات، الأمر الذي أدى إلى زيادة الأعباء المالية على العاملين في القطاع.
ومن بين القضايا التي يثيرها المزارعون مسألة توقف معمل “أجريبيس”، الذي كان يعد المنتج المحلي الوحيد للأسمدة والأدوية الزراعية. ويرى عدد منهم أن إعادة تشغيل المعمل أو إيجاد بديل محلي للإنتاج قد يسهم في تخفيف تكاليف مستلزمات الزراعة. ويؤكد مزارعون أن أسعار بعض الأدوية الزراعية شهدت ارتفاعات كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، ما انعكس على كلفة الإنتاج بشكل مباشر.
كما يطالب منتجون زراعيون باتخاذ إجراءات لحماية الإنتاج المحلي من المنافسة الخارجية، مشيرين إلى أن استيراد بعض أصناف الخضار والفواكه التي تُنتج محلياً يؤثر على قدرة المنتج الوطني على المنافسة في الأسواق. ويعتبر هؤلاء أن المنتجات المستوردة من دول مجاورة، ومنها تركيا، تستفيد من قدرات إنتاجية أكبر وتكاليف أقل في بعض الأحيان، ما يمنحها ميزة تنافسية في السوق.
وفي سياق متصل، أعرب مزارعون في منطقة جنوب دمشق عن مخاوفهم من تداعيات تقارير متداولة حول حفر عشرات الآبار بالقرب من منطقة نبع بردى، محذرين من احتمال تأثير ذلك على الموارد المائية ومستويات المياه الجوفية في المنطقة.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) أن مواسم الجفاف الأخيرة أدت إلى تراجع كبير في إنتاج المحاصيل الزراعية، وسط انخفاض معدلات الهطول المطري وتزايد الاعتماد على المياه الجوفية لتعويض نقص الموارد السطحية. كما حذرت المنظمة من أن فشل الأمطار خلال موسم 2024-2025 تسبب بخسائر واسعة في المحاصيل وأثر على الأمن الغذائي لملايين السوريين.
وفي موازاة ذلك، تشير دراسات متخصصة إلى أن التوسع في حفر الآبار والاعتماد المتزايد على ضخ المياه الجوفية أدى إلى انخفاض مستمر في مناسيب المياه، ما دفع المزارعين إلى حفر آبار أعمق عاماً بعد عام. وتوضح الدراسات أن عدداً كبيراً من المناطق الزراعية بات يعتمد بشكل أساسي على المياه الجوفية، في وقت تتراجع فيه معدلات التغذية الطبيعية للأحواض المائية بسبب الجفاف وتغير المناخ.
وكان عدد من المزارعين قد عقدوا اجتماعاً مع محافظ جنوب دمشق لعرض التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في المنطقة، بما في ذلك قضايا المياه والخدمات الزراعية وارتفاع تكاليف الإنتاج. وبحسب مشاركين في الاجتماع، فقد جرى بحث عدد من المطالب والمقترحات المتعلقة بدعم النشاط الزراعي وتحسين الظروف التي يعمل فيها المزارعون.
ويؤكد مختصون أن استمرار التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج وشح الموارد المائية والمنافسة في الأسواق يتطلب وضع سياسات داعمة للقطاع الزراعي، نظراً لدوره الحيوي في تحقيق الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل وتعزيز النشاط الاقتصادي في المناطق.
يمتد اثر ضعف الدعم في القطاع الزراعي إلى المستهلكين والاقتصاد الوطني بشكل عام. فمع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع المساحات المزروعة وانخفاض كميات المحاصيل، تتزايد الضغوط على الأسواق المحلية، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الكثير من المنتجات الغذائية الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.