علامات البريفيه لتلميع صورة المدارس

علامات البريفيه لتلميع صورة المدارس

منذ العام 2023، يعيش التلامذة يومياً على وقع الاضطرابات الأمنية والحرب وتقلّبات القرارات التربوية. يستفيقون على قرار وينامون على آخر، لا سيما طلاب الشهادات الرسمية. ومنذ ذلك العام، لم يعد مصيرهم محتوماً بتقديم الامتحانات الرسمية، بل بات معلّقاً بقرار من وزير التربية، دائماً ما يصدر في “اللحظات الأخيرة”.

هذا العام، بعد فترة قصيرة من عودة الحرب إلى لبنان في 2 آذار 2026، عُلّق مصير تلامذة الشهادة المتوسطة بقرار وزيرة التربية ريما كرامي، القاضي باستبدال الامتحانات الرسمية بامتحانات داخل المدارس.

للوهلة الأولى، بدا القرار حلاً مناسباً لحماية التلامذة، الذين لا يزالون في أوائل مراهقتهم، من الضغوط النفسية للدراسة في أجواء حرب لا ينبغي لأي طفل أن يعيشها. كما بدا مراعياً لآلاف التلامذة النازحين، الذين غادر كثيرون منهم منازلهم من دون كتب مدرسية، إلى أماكن لا تتوافر في معظمها مقومات التعليم، حتى عن بُعد. كذلك، جنّب القرار التلامذة مخاطر الانتقال إلى مراكز الامتحانات المسجلين فيها، بظل الظروف الأمنية.

هذا الجانب الظاهر من القرار. غير أن الجانب الآخر سرعان ما تكشّف، حاملاً مخاطر قد تكون أشدّ أثراً على مستقبل التلامذة الذين سيجتازون مرحلة البريفيه، وعلى مستوى التعليم اللبناني، بل على مستقبل البلاد برمّتها.

فما إن انطلقت الامتحانات داخل المدارس، بدأت تظهر فداحة القرار: امتحانات وُضعت لطلاب الصف التاسع الأساسي، لكنها، بحسب شهادات جُمعت في إطار هذا التحقيق، لا ترقى في بعض الحالات إلى مستوى الصف السابع. حلّ الامتحانات يحصل جماعياً، الكثير من العلامات توزّع عشوائياً، وسط تسهيلات وقرارات صادرة عن إدارات المدارس نفسها.
وبذلك، يُخشى أن تكون النتيجة نجاحاً جماعياً وعشوائياً، يفتح باب الانتقال إلى الصف العاشر أمام المؤهلين وغير المؤهلين على حد سواء، حيث ستبدأ الكوارث الحقيقية.

البداية كانت مع المعلمة زينة، في إحدى مدارس المتن، التي روت لنا ما يحصل داخل مدرستها. لكن ما قالته لم يبقَ شهادة منفردة؛ إذ سرعان ما تبيّن، بعد التواصل والتحقق والتدقيق مع أساتذة وتلامذة وأهالِ في مدارس عدة حول البلاد، أن ما تحدّثت عنه يعكس واقعاً أوسع.

تواصلت معنا زينة لتكشف ما يحصل داخل دهاليز المدارس، بعدما لم تعد قادرة على الصمت حيال ما تعتبره ظلماً يُرتكب اليوم بحق جيل كامل.

“بُلّغ جميع الأساتذة بضرورة التساهل مع التلامذة قدر المستطاع خلال إجرائهم الامتحانات البديلة. وقيل لنا إن علينا إعطاءهم الإجابات ومساعدتهم على الغش، تمهيداً لحصولهم على علامات جيدة ونجاحهم في الامتحانات”، تقول المعلمة زينة.

وتضيف: “كل همّ الإدارات أن تحافظ على سمعتها، وأن تسوّق لمستواها التعليمي، الذي سيكون مختلفاً كلياً عن الواقع في السنوات المقبلة، جرّاء التساهل الكارثي هذا العام.
صحيح أن الطلاب اليوم يخوضون امتحانات استثنائية في ظروف استثنائية أيضاً، وأن التعاطف معهم واجب، لكن يجب أن تتقدّم الضمائر على التعاطف. وهذا ما غُيّب عن الكثير من الأساتذة والإدارات”.

وتتابع زينة: “أعلّم مادة الرياضيات منذ عشر سنوات، ولطالما سعيت لأكون قريبة من طلابي، وأن أحبّبهم بالمادة، ليشعروا تدريجياً بأنها ليست سوى مسائل تسلية، تحتاج إلى التركيز والوقت لتفكيكها. لكن اليوم، أرى أن مصائر الطلاب نفسها تحوّلت إلى تسلية؛ تتعامل معها الإدارة بعنجهيّة، عبر قرارها إعطاء التلامذة الإجابات خلال الامتحانات”.

وتردف: “العتب ليس على الأولاد. فكلنا كنّا طلاباً، وكلنا شعرنا يوماً بالانتصار حين غششنا في امتحان. العتب على الإدارات التي تعبث بمصائر الطلاب وهم لا يدركون، فقط للحفاظ على صورتها المرصّعة بالامتيازات أمام وزارة التربية”.

روت لنا المعلمة زينة ذلك والغصّة عالقة في حلقها، وهي تتحدث عن “جيل استثنائي سيخرج بمستوى علمي استثنائي أيضاً في تدنّيه”.

بعد الاستماع إلى شهادتها، تواصلنا أولاً مع ثلاثة أساتذة من مدارس مختلفة في البترون وجبيل وكسروان، فأكدوا جميعاً ما روته زينة، مجمعين على وجود قرار غير مباشر، وغير رسمي بطبيعة الحال، صادر عن إدارات معظم المدارس تقريباً، يقضي بتسهيل أمور الطلاب قدر الإمكان، بما يتيح لهم تحصيل العلامات والنجاح. وبهذا، تتمكن المدارس من تقديم نفسها أمام الوزارة على أنها حققت نتائج لافتة، وأن طلابها يتمتعون بمستوى تعليمي عالٍ، ليبدو فجأة أن مستوى المدارس جميعها بات ممتازاً.

أمام هذا الواقع، تواصلنا مع عدد من الطلاب، لنأخذ آراءهم ولنستمع إلى ما يحصل من أفواههم ومن وجهات نظرهم.

كانت البداية مع طالبين من الشعبة نفسها، وفي المدرسة نفسها التي تعلّم فيها زينة: رامي ومجد.

رامي لطالما كان متفوقاً في دراسته؛ لم ينخفض معدّله يوماً عن 16، وكان دائم التركيز على تحصيله العلمي، وهو طالب كفوء بشهادة أساتذته. أما مجد، فلطالما تغيّب عن صفوفه وتخلّف عن إنجاز فروضه المدرسية، وبالكاد كان يدرس. وحتى قال لنا إنه، منذ عودة الحرب، توقف كلياً عن الدراسة.

يقول رامي: “أشعر بالغبن حيال ما يحصل. صحيح أن كثيراً من الطلاب ظُلموا بسبب الحرب، ولم تتوافر لهم الظروف المناسبة للدراسة، لكن ماذا عنا؟ لقد درست بجدّ منذ بداية العام استعداداً للامتحانات الرسمية. لو كنت أعلم أنني سأتساوى في النهاية مع الجميع، لما عذّبت نفسي بهذا الشكل.
يا ليتني ذهبت في ذلك اليوم مع عائلتي إلى منزل شقيقتي، وكنت حاضراً حين فاجأتهم بخبر حملها، بدلاً من أن أمضي وقتي جالساً أدرس”.

حاول رامي تقبّل ما يحصل، إلا أن تمرّده على الظلم دفعه إلى الكلام. فهو لم يستطع تقبّل فكرة أن تُختصر المظلومية بالتلامذة النازحين وحدهم، بينما يرى أن طلاباً آخرين دفعوا الثمن أيضاً.
“نحن أيضاً مظلومون بقدر النازحين، وربما أكثر. فبين الضاحية والمتن، لا تتجاوز المسافة 15 كيلومتراً. صحيح أننا لم ننزح ولم نخسر منازلنا، لكننا كنا نسمع ونرى ونخاف بالقدر نفسه. ورغم كل ما كان يحدث حولنا، مدارسنا واصلت التعليم، ونحن واصلنا الدراسة”.

فيما مجد، الذي أساساً “أخذ الصيفية من آذار”، عبّر عن لا مبالاته بطريقة إجراء الامتحانات، وعن شعوره بالدهاء والانتصار على أصدقائه الذين قضوا ساعات في الدراسة، بينما كان هو يلعب ويعيش حياته.

أكملنا مع الأستاذ زاهر، أستاذ تاريخ، راقب أحد الصفوف في إحدى مدارس جبيل خلال إجرائهم امتحان الكيمياء.

يقول زاهر: “أثناء مراقبتي للامتحان، طلب مني أحد التلامذة مساعدته في حل إحدى المسائل. اضطررت إلى سؤال تلميذ آخر لأتمكن من مساعدته، إذ لم يكن بيدي حيلة. فأنا من كانت ستحاسبني إدارة المدرسة في حال لم يحصل على علامة جيدة.
في الحقيقة، استغربت أساساً أنه سألني، في حين كان التلامذة يحلون الامتحان جماعياً، جالسين قبالة بعضهم على مقاعد جمعوها، ويتناقلون الإجابات تباعاً.


كما أن أساليب الغش لدى الطلاب لم تتوقف عند الحل الجماعي وسؤال المراقبين عند التعثر، بل وصلت إلى مرحلة من الوقاحة لا تدخل في عقل. ونحن، كمراقبين، لم يكن بأيدينا حيلة، إذ إن كل ما حصل كان يحصل على مرأى من الناظر وأفراد من مجلس الإدارة.
إذ نظّمت مجموعات المشاغبين داخل الصفوف عمليات الغش، فكانوا ينتقلون، بعد الحل الجماعي، إلى كتابة الإجابات على اللوح، للتأكد من أنها وصلت إلى الجميع”.

الامتحان الذي كان يفترض أن يستغرق ساعة، أُنجز في عشرين دقيقة. وبعدها، خرج معظم الطلاب ليزفّوا إلى أهاليهم، المنتظرين خارج المدارس، بشائر “الأداء الجيد”.

عند معرفة الأهالي بما حصل، فرح بعضهم ضمنياً، إذ كانوا يعرفون مستوى أبنائهم، ورأوا في ما حصل حلاً آمناً يجنّبهم خسارة سنة دراسية من حياتهم.
في المقابل، لم يتأثر بعض الأهالي، ممن يعرفون أن أبناءهم من المتفوقين، كثيراً بما حدث، إذ كانوا يدركون أن أبناءهم سينجحون ويتفوقون في جميع الأحوال.

أما الأهالي الذين رأوا في ما يحصل ظلماً بحق مستقبل جميع الطلاب، من دون استثناء، فرفعوا أصواتهم أمام إدارات المدارس، لكن من دون أن يجدوا أي أذن لتسمع.

وبطبيعة الحال، لم يلجأ هؤلاء إلى تقديم شكاوى مباشرة إلى الوزارة. ففي بلد كلبنان، غالباً ما يُدفع التلميذ وحده إلى الواجهة، فيما تخرج الإدارة والأساتذة والمراقبون من المشهد كأن شيئاً لم يكن. أما الطالب، فقد يتعثّر مستقبله، وتُسجّل نقطة على ملفه، من دون أن يحقّق شيئاً.
لذلك، حتى الآن، يخيّم الصمت على الموضوع.

ستصدر نتائج الامتحانات البديلة، وقد يستفيق لبنان قريباً على نسب نجاح في الشهادة المتوسطة تقترب من 99.99%، أو ربما تبلغ 100%. عندها، ستبدو سمعة المدارس جميعها ممتازة في نظر وزارة التربية، وستتصدر الصحف عناوين براقة عن النجاح والمستوى التعليمي في لبنان.
لكن ماذا عن مستقبل أبناء البلد؟ ماذا عن مستقبل هذه الشريحة من التلامذة التي لم تكن مؤهلة للانتقال إلى الصف العاشر؟ كيف ستتابع مسارها، أو بالأحرى، هل سيبقى لديها القدرة والأمل على الاستمرار؟

في الحقيقة، لم يكن قرار الامتحانات المدرسية البديلة سيئاً بحد ذاته، لكنه اصطدم بعنجهية إدارات المدارس وبحالة تستّر جماعي، حرص فيها كل طرف على حماية مصلحته.

وأمام هذا المشهد، ربما كان الأنسب هو إلغاء امتحانات البريفيه كلياً وبدلاً من فرض وزارة التربية شرطة رقابة على المدارس ومطالبتها برفع علامات الطلاب لها، كان الأجدى أن تعتبر المدارس امتحانات نهاية السنة كأي امتحان نهائي مدرسي حصل في السنوات الماضية، فهكذا لم تكن المدارس لتتساهل مع طلابها بهذا الشكل، فليس من صالحها ان تبقي على طلاب غير كفوئين لديها، ولم تكن لتتسابق المدارس على تلميع صورتها والمزايدة على بعضها امام الوزيرة والوزارة. فالطالب غير الكفوء يضر بمدرسته ويضرها الابقاء عليه طيلة سنوات علمه.

وأمام هذا المشهد، ربما كان الأنسب إلغاء امتحانات البريفيه كلياً، بدلاً من استبدالها بامتحانات مدرسية خاضعة لرقابة وزارة التربية ومطالبة المدارس برفع علاماتها إليها. كان الأجدى، ربما، أن تُعامل امتحانات نهاية السنة كما كانت تُعامل في الأعوام السابقة، كاختبارات مدرسية داخلية لا تتحول إلى سباق بين الإدارات على تحسين الأرقام وتلميع الصورة أمام الوزارة.


ففي هذه الحالة، لم يكن من مصلحة المدارس التساهل بهذا الشكل مع طلاب غير مؤهلين، لأن إبقاء تلميذ غير كفوء داخل المدرسة لا يضرّ بمستقبله وحده، بل ينعكس أيضاً على مستوى المؤسسة التعليمية نفسها في السنوات اللاحقة. أما حين تتحول النتائج إلى واجهة تُعرض أمام الوزارة، يصبح النجاح الجماعي وسيلة لتسويق المدرسة، ولو كان ذلك على حساب كفاءة الطلاب ومستقبلهم.

والأكثر فداحة كان ما سمعه فريق منصة “نقد” خلال جولته على عدد من المدارس بين البترون والمتن، حيث بدت أحاديث بعض الطلاب بعد الامتحانات كاشفة لحجم الخلل. أكثر ما لفتنا كان حديث طالبتين، ريما وإلسا، في إحدى مدارس البترون، إذ تحدّثتا بنبرة متعالية عن الأساتذة والمراقبين، وتباهتا بما اعتبرتاه “انتصاراً” في الامتحانات.

لاحقاً، سألنا عن الطالبتين للتحقق من مستواهما الأكاديمي المعتاد، فتبيّن أنهما بالكاد اجتازتا سنواتهما الدراسية السابقة، وأن أساتذتهما لطالما اشتكوا من تراجع مستواهما، وكثرة مشاغبتهما، وتعاطيهما غير الجدي داخل الصف. كما تبيّن أنهما لم تحققا معدل نجاح في أي امتحان طوال هذا العام الدراسي.

بعد كل ما سبق، يمكن القول إن قرار وزيرة التربية الأخير بإلغاء امتحانات الثانوية العامة ومنح إفادات نجاح للطلاب الذين حققوا معدلاً لا يقل عن 9.5 في امتحاناتهم المدرسية، بدا الخيار الأنسب في هذه المرحلة.

فلو تكرّر سيناريو الامتحانات البديلة، بما رافقه من غش وتسهيلات وسباق بين الإدارات على تلميع صورتها المرصّعة بالامتيازات، مع طلاب الترمينال، لكان الأثر أكثر خطورة بكثير مما حصل مع طلاب البريفيه. إذ إن الأمر لم يكن سيقتصر على انتقال طلاب غير مؤهلين إلى صف أعلى، بل كان سيفتح أبواب الجامعات في لبنان والخارج أمام عدد كبير من الطلاب غير الجاهزين أكاديمياً.

وهنا كانت ستكون الكارثة الأكبر: ليس فقط على مستقبل هؤلاء الطلاب، بل على سمعة القطاع التعليمي اللبناني برمّته.