21 Jun 2026
Like this post
هناك مفارقة لبنانية تكاد تختصر كل شيء من دون حاجة إلى شرح طويل: العالم ينصرف إلى كأس العالم كأنه يدخل نظاماً دقيقاً من الانتماءات الوطنية المنظمة، أعلام تتقدّم، دول تتواجه ضمن قواعد واضحة، ثم تنتهي المعركة داخل المستطيل الأخضر، بينما يقف لبنان خارج هذا النظام كله، لا اسم له على العشب، ولا نشيد يُعزف له، لكنه مع ذلك حاضر في مكان آخر، في المقاهي التي تتحول إلى مدرجات، وفي الساحات التي تُضاء بشاشات كبيرة، وفي مدن تتصرّف وكأنها تحاول أن تعيش بطولة بديلة عن تلك التي غابت عنها.
هذا الحضور ليس رياضياً بقدر ما هو اجتماعي بحت، وفي عمقه سياسي أيضاً، لأن اللبناني لا يتابع كرة القدم فقط كترفيه، يتابعها كمساحة مؤقتة يستعيد فيها شيئاً من التوازن الذي فقده في يومه العادي، في بلد باتت فيه تفاصيل الحياة اليومية مشدودة إلى شبكة معقدة من الأزمات، ومن توازنات القوة الداخلية والخارجية، ومن واقع سياسي لا يترك للمواطن مساحة كافية ليشعر أن حياته تُدار من مكان قريب منه. هنا لا يعود الانقطاع عن كأس العالم مجرد غياب عن بطولة، يصبح امتداداً لحالة أوسع من الغياب عن القرار، عن المعنى، وعن القدرة على التحكم بإيقاع الحياة نفسه.
في لبنان، السياسة ليست خلفية للمشهد، هي جزء من نسيج الحياة اليومية، تتداخل مع الاقتصاد ومع الأمن ومع المزاج العام للناس. وجود قوى سياسية نافذة، وفي مقدمتها حزب الله كجزء أساسي من معادلة السلطة والنفوذ في الداخل وعلى مستوى الإقليم، يجعل من الدولة مساحة غير مكتملة الوظيفة، حيث تتجاور مؤسسات رسمية مع مراكز قوة أخرى، وحيث تتداخل الحسابات الداخلية مع حسابات تتجاوز الحدود.
بمثل هذا السياق يصبح المواطن أقرب إلى متلقٍّ دائم للنتائج، أكثر منه شريكاً في صناعة القرار، ويبدأ الشعور العام بأن تفاصيل الحياة الكبرى تُحسم في مكان آخر، بينما يبقى هو في موقع من يعيش تبعاتها.
وليس مجازاً أن يشعر اللبناني أحياناً بأنه كرة تتقاذفها الأقدام. فهذا المشهد السياسي جعل المواطن في قلب مباراة لا يملك صافرتها ولا قواعدها؛ محاور تتجاذب البلد، وقوى تتعامل معه كمساحة نفوذ لا كدولة مكتملة، فيما تُترك حياة الناس اليومية رهينة توازنات لا يشاركون في صنعها. تتحول الدولة في لحظات كثيرة إلى ساحة إدارة صراع لا إلى مساحة إدارة حياة، ويصبح المواطن هو العنصر الوحيد الثابت في معادلة متحركة باستمرار.
لكن المفارقة أن هذا الثقل كله لم ينجح في إطفاء حاجة اللبناني إلى لحظة حياة غير مشروطة. على العكس، كلما اشتد الضغط السياسي والمعيشي، ظهرت رغبة أكثر وضوحاً في خلق مساحات بديلة، ولو كانت صغيرة وموقتة. من هنا يمكن فهم لماذا تتحول مباراة كرة قدم إلى حدث اجتماعي يتجاوز حدود الرياضة، ولماذا يصبح تجمع الناس حول شاشة في مقهى أو ساحة نوعاً من “استعادة المدينة” ولو لساعات قليلة، كأن الناس يعيدون تركيب فكرة المجتمع خارج الانقسام الذي يثقل السياسة.
الصيف اللبناني نفسه كان دائماً أكثر من موسم، كان نوعاً من إعلان سنوي غير مكتوب بأن البلد لا يزال قادراً على إنتاج حياة عامة. المهرجانات في بيت الدين، إهدن، صور وغيرها لم تكن مجرد عروض فنية، كانت بنية كاملة تربط الاقتصاد بالسياحة بالثقافة، وتخلق لحظة نادرة يلتقي فيها المختلفون خارج منطق السياسة.
لذلك فإن تراجع هذه المساحات أو غياب بعضها، من إلغاء فعاليات جامعية كـ AUB Outdoors إلى إلغاء نسخة 2026 من مهرجان بيت الدين وغيرها، لا يمكن قراءته كخبر ثقافي فقط، إنما كعلامة على انكماش المجال العام نفسه، أي انكماش المساحة التي يمكن للناس أن يكونوا فيها معاً من دون أن يكونوا في مواجهة بعضهم البعض.
ومع ذلك، لم يتحول المشهد إلى فراغ كامل. فحتى في ظل هذا التراجع، بقيت محاولات لإبقاء نبض المدينة قائماً، كما في “أعياد بيروت” التي تتجاوز فكرة المهرجان بمعناه التقليدي لتصبح نوعاً من إعلان رمزي بأن العاصمة لا تزال تحاول أن تحافظ على صورتها كمساحة تجمع، لا كمساحة انقسام. ليست المسألة في حجم الحدث أو بريقه، في إصرار على إبقاء فكرة “المدينة الحية” قائمة رغم كل ما يضغط عليها من أزمات سياسية واقتصادية ومعيشية.
بين هذا الفراغ الذي يتسع بين تراجع المهرجانات التقليدية وبقاء الحاجة إلى الفرح، يأتي كأس العالم كظاهرة تكشف أكثر مما تُسلّي. في فعاليات مثل “بترون فوت سيتي”، وفي المقاهي المنتشرة على امتداد البلد، تتحول متابعة المباريات إلى شكل من إعادة إنتاج الحياة العامة، حيث تصبح الشاشة نقطة تجمع، والمكان مساحة تفاعل، واللحظة فرصة نادرة لاختبار معنى الاجتماع خارج السياسة. هنا لا يعود الأمر مجرد تشجيع لمنتخب أو متابعة مباراة، بل يصبح طقساً اجتماعياً يعيد ربط الناس ببعضها ولو بشكل مؤقت.
واللافت في هذا كله أن اللبناني، رغم كل انقساماته، يحتفظ بقدرة غريبة على تحويل الاختلاف إلى جزء من الحياة اليومية لا إلى سبب للقطيعة. كما يحدث في كرة السلة بين مشجعي “الرياضي” و”الحكمة”، حيث يتحول التوتر إلى حماسة ثم ينتهي إلى حياة عادية بعد صافرة النهاية، يتكرر المشهد نفسه في كرة القدم العالمية، حيث يمكن لمشجعين متناقضين تماماً في اختياراتهم أن يجلسوا على الطاولة نفسها، يصرخون، يختلفون، ثم يغادرون وكأن شيئاً لم يكن. هذه القدرة ليست تفصيلاً عابراً، هي إحدى الطبقات العميقة في الهوية الاجتماعية اللبنانية، حيث يبقى الانقسام داخل اللعبة، ولا يتحول بالضرورة إلى انقسام خارجها.
ومن هنا لا يبدو سؤال “لماذا نشجع منتخبات ليست لنا” سؤالاً جوهرياً بقدر ما هو مدخل لفهم أعمق: في بلد تتداخل فيه السياسة مع تفاصيل الحياة اليومية إلى حدّ يجعل الخيارات الكبرى ثقيلة ومحدودة، تصبح كرة القدم مساحة رمزية لاستعادة شيء من الخفة، من الاختيار البسيط، ومن الانتماء غير المشروط بنتائج السياسة أو ثقل الواقع.
في نهاية المشهد، لا يبدو لبنان خارج كأس العالم بقدر ما يبدو خارج النظام الذي يجعل من الحياة نفسها اتفاقاً واضحاً على قواعد اللعب. بلد تُدار فيه السياسة كامتداد مفتوح لصراعات لا تنتهي، وتُترك فيه تفاصيل الناس اليومية معلّقة على توازنات أكبر من قدرتهم على التأثير، يصبح الفرح فيه فعلاً صغيراً لكنه عنيد، لا يحتاج إلى إذن ولا ينتظر ظروفاً مثالية كي يحدث.
ربما لهذا تحديداً لا تبدو المقاهي التي تمتلئ بالشاشات، ولا الساحات التي تتجمع فيها وجوه متناقضة حول مباراة واحدة، مجرد لحظات ترفيه عابرة، بل محاولة مستمرة لإثبات أن هذا المجتمع لا يزال قادراً على إنتاج لحظة مشتركة خارج الانقسام. في بلد تتقلص فيه المساحات العامة كما تتقلص فيه الثقة، يصبح مجرد الاجتماع حول لحظة فرح نوعاً من إعادة تعريف الحياة نفسها.
لبنان لا يحتاج إلى كأس العالم كي يعرف أنه خارج البطولة، لكنه يحتاج إلى هذه اللحظات كي يتأكد أنه لم يخرج من الحياة بعد. وبينما تنتهي المباريات في كل مكان، يبقى السؤال في هذا البلد مفتوحاً أكثر من صافرة النهاية: كيف يمكن لوطنٍ مثقل بكل هذا أن يظلّ قادراً، رغم كل شيء، على أن يتذكّر نفسه كمساحة ممكنة للعيش؟