4 Jul 2026
Like this post
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت برامج الإقامة الذهبية من أبرز الأدوات الاقتصادية التي تعتمدها الدول لاستقطاب رؤوس الأموال والمستثمرين وتعزيز النمو الاقتصادي، ولم تعد تقتصر على منح حق الإقامة، بل تحولت إلى سياسة اقتصادية تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتنشيط القطاعات الإنتاجية.
وفي لبنان، عاد هذا المشروع إلى الواجهة مع إعادة طرحه من قبل لجنة المال والموازنة، في وقت لا يزال فيه البلد يرزح منذ العام 2019 تحت واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه، والتي أدت إلى انهيار العملة الوطنية، وتراجع النشاط الاقتصادي، واحتجاز ودائع المواطنين، وهروب الرساميل، وتراجع الاستثمارات، وتآكل الثقة بالقطاع المصرفي والدولة، ما جعل استعادة الثقة والاستقرار شرطًا أساسيًا لأي تعافٍ اقتصادي.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز مشروع الإقامة الذهبية كأحد الخيارات المطروحة لاستقطاب المستثمرين الأجانب، إلا أن نجاحه يبقى مرهونًا بالإجابة عن سؤال جوهري: هل طرحت لجنة المال والموازنة مشروع الإقامة الذهبية ضمن رؤية اقتصادية متكاملة تحدد مجالات الاستثمار المستهدفة، أم أنه يقتصر على منح الإقامة من دون استراتيجية استثمارية واضحة؟
على الرغم من التحديات التي لا تزال تعيشها البلاد منذ 2019 ، لا يمكن اعتبار إعادة طرح مشروع الإقامة الذهبية خطوة عبثية، بل يُفترض أنها تهدف إلى تحريك الاقتصاد وجذب الاستثمار، على أن يبقى نجاحها مرتبطاً أولًا بتحديد وجهة الاستثمارات والقطاعات التي يُفترض أن تجذبها هذه الآلية، إذ إن طبيعة القطاع المستهدف ستحدد مدى قدرة المشروع على تحقيق أهدافه. فإذا وُجّه الاستثمار نحو القطاع المصرفي، فسيواجه المستثمر مخاطر كبيرة تتعلق بمصير أمواله، في ظل استمرار أزمة الودائع وتعثر استرداد نحو 80 مليار دولار، إضافة إلى تراجع الثقة وإدراج لبنان على اللائحة الرمادية، ما يجعله قطاعًا غير جاذب حاليًا. أما إذا اتجه نحو القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة، فإنه يصطدم بعوائق بنيوية كضعف البنية التحتية وارتفاع الكلفة وتراجع الخدمات، ما يحد من تنافسيته.
في قطاع السياحة، على الرغم من إمكاناته، يبقى الاستثمار فيه مرتبطًا بالاستقرار السياسي والأمني، ما يضعف استدامة جذب الرساميل .أما الاستثمار العقاري، الأكثر ارتباطًا ببرامج الإقامة الذهبية عالميًا، فيبقى مرهونًا بالاستقرار وضمان حماية الاستثمار، على الرغم من وجود إطار قانوني لتملك الأجانب، ما يجعل نجاح البرنامج مرتبطًا ببيئة مستقرة ومؤسسات موثوقة.
وفي هذا السياق، لا تزال تفاصيل مشروع الإقامة الذهبية غير واضحة، إذ لم تصدر لجنة المال والموازنة أي بيان رسمي يحدد الفئات المستهدفة، أو طبيعة الامتيازات التي سيتضمنها المشروع، أو أوجه اختلافه عن البرامج المعتمدة في دول أخرى. وفي المقابل، تتداول بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي معلومات غير مؤكدة عن احتمال منح حوافز ضريبية طويلة الأمد، ولا سيما إعفاءات تتعلق برسوم التسجيل ونقل الملكية، من دون أي تأكيد رسمي حتى الآن.
وفي حال اعتماد مثل هذه الحوافز، فإنها قد تدفع شريحة واسعة من الاستثمارات نحو القطاع العقاري، بما يعزز الطلب ويرفع الأسعار، ويغذي المضاربة العقارية على حساب توجيه الرساميل إلى القطاعات الإنتاجية. كما أن ربط منح الإقامة بتملك العقارات، أو توسيع الامتيازات العقارية عبر مختلف الأطر القانونية، قد يؤدي إلى اختلالات في السوق العقارية، من خلال رفع أسعار الأراضي والمساكن بمعدلات لا تعكس الطلب الفعلي، الأمر الذي يحدّ من قدرة المواطنين على التملك ويكرّس توجيه الرساميل نحو أصول غير منتجة بدلاً من الإسهام في تنشيط الاقتصاد الحقيقي.
ولا يقتصر الجدل حول مشروع الإقامة الذهبية على طبيعة الحوافز الضريبية أو القطاعات التي قد تستقطبها، بل يمتد أيضًا إلى مدى توافقه مع الالتزامات المالية والرقابية التي يواجهها لبنان. ففي ظل استمرار إدراجه على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، وخضوعه لرقابة دولية مشددة في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، تصبح أي آلية لاستقطاب الرساميل مطالبة بالاستناد إلى أعلى معايير الشفافية والتدقيق في مصادر الأموال والامتثال للمعايير الدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي إعفاءات أو تسهيلات استثنائية لا ترافقها ضوابط واضحة قد تُفسَّر على أنها محاولة لجذب الرساميل بمعزل عن استكمال الإصلاحات المطلوبة، بما قد يؤثر في صورة لبنان المالية ويحدّ من فعالية البرنامج. لذلك، لا يكفي استقطاب رؤوس الأموال بحد ذاته، بل تبرز الحاجة إلى استثمارات منتجة تخلق قيمة مضافة حقيقية في قطاعات كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا، بدلاً من الاكتفاء برساميل عابرة تستفيد من الحوافز من دون أن تُحدث أثرًا تنمويًا مستدامًا.
في المحصلة، يتبيّن أن مشروع الاقامة الذهبية في لبنان مرتبط مباشرة بالواقع الاقتصادي والمالي العام، حيث لا تزال أزمة فقدان الثقة وهروب الرساميل وضعف الاستقرار تشكّل عائقًا أساسيًا أمام جذب الاستثمارات. وعلى الرغم من أنه يُفترض أن يساهم في تحفيز النمو، فإن فعاليته تبقى مرهونة بإطار إصلاحي واضح يحدد أولويات الاستثمار ويضمن الشفافية والامتثال للمعايير الدولية، وإلا فإن أي حوافز ستبقى محدودة الأثر وقد لا تخدم التنمية المستدامة. وبالتالي، يبقى التحدي الأساسي في بناء بيئة اقتصادية مستقرة قادرة على استعادة الثقة وجذب استثمارات منتجة.
ويبقى السؤال الأهم في هذا السياق: هل تُطرح الإقامة الذهبية كخطة فعلية لإنقاذ الاقتصاد اللبناني واستعادة الثقة والاستثمار، أم كأداة جديدة لتدوير النفوذ بين القوى السياسية والمالية تحت عنوان الإصلاح؟