بورصة النزوح… جشع المؤجّرين في استغلال النازحين

بورصة النزوح… جشع المؤجّرين في استغلال النازحين

تحقيق مصوّر أعدّته منصّة نقد بدعم من مؤسّسة سمير قصير يسلّط الضوء على استنزاف أزمة الإيجارات مدّخرات العائلات النازحة، في ظلّ ممارسات استغلالية وغياب الحماية القانونية الفاعلة.

صاروخ، اثنان، ثلاثة… ستّة، ثم أكثر من مليون ومئتي ألف نازح.


بين ليلة وضحاها، اضطرّ ربع سكّان لبنان تقريباً إلى ترك منازلهم وكلّ ما يملكون خلفهم، للنجاة بحياتهم والهروب من جحيم حرب حزب الله وإسرائيل الجنونية.


مليون ومئتا ألف نازح نجوا يومها، لكن سرعان ما اصطدموا بجحيم ثانٍ: استغلال المؤجّرين.

منذ لحظة إطلاق الصواريخ الستّة، سارع الأهالي إلى توضيب منازلهم في حقائبهم، وربّما لم يستغرق الأمر منهم أكثر من ستّ دقائق، ليهربوا من قطار الموت الذي كان يقترب منهم بسرعة الضوء. ركبت العائلات سيّاراتها، أو أيّ وسيلة نقل متاحة، وبدأ أرباب الأسر اتصالاتهم.

“عجّل قبل ما تروح”،

“غير موجود، أخدها غيرك”،

“500 دولار مقابل غرفتين ومطبخ وحمّام، بلا كهرباء وبلا مياه”،

“1500 دولار إيجار بيت مع ثلاثة أشهر سلفاً”، “مرتك وبناتك محجّبات؟”…

أسعار خيالية وطلبات سوريالية تعرّض لها أهالي الجنوب والضاحية؛ ففي حين لم يتسنَّ لهم امتصاص صدمة اقتلاعهم من جذورهم، تعرّضوا لصدمة جشع المؤجّرين الحيواني.


علماً أنّ هذا الجشع كان موجوداً خلال الحرب الأولى، لكن يبدو أنّه يرتفع مع ارتفاع شدّة الحرب، وعدد النازحين، وبالتالي الطلب في سوق الإيجارات.

بين شهادات نازحين وقراءة خبراء اقتصاديين، يكشف تحقيق مصوّر أعدّته منصّة نقد كيف استنزفت أزمة الإيجارات ما تبقّى من مدّخرات العائلات، وسط غياب الحماية القانونية الفاعلة.

“صارت الحرب، يعني إذا بيكون معك بحر بدّه ينشف، بدّه يخلص، خلص”.


“اليوم الأسود اللي بينحكى عنه، كنّا مفكّرينه يوم، طلع مشوار طويل”.


“هنّي ما بحياتن مأجّرين بيوتن، بس نحنا تهجّرنا صاروا يأجّروا بيوتن”.


“لمّا تجي تستأجر من واحد شيعي ويطلب شهر عمولة و3 أشهر سلف، إي لا، إنت مش من بيئتي”.

جمل سمعناها على ألسنة نازحين التقينا بهم واستمعنا إليهم. حاولوا من خلالها اختصار قهرهم والخذلان اللذين تعرّضوا له ويتعايشون معه، على أيدي أبناء بلدهم من مختلف الطوائف والبيئات.

اليوم، صحيح أنّ قسماً كبيراً من النازحين عادوا إلى منازلهم، إلّا أنّ عشرات الآلاف ممّن دُمّرت منازلهم لا يزالون في رحم سوق الإيجارات، مضطرّين إلى تدبّر مبالغ طائلة ليحافظوا فقط على سقف فوق رؤوس عائلاتهم، معتبرين أنّ هذه المبالغ بمثابة “فدو دم”.

في تحقيقنا، نصوّر معاناة أماني علي قاسم وعائلتها، وكذلك علي كريزات وعائلته، وننقل بالأرقام حجم الأزمة الكارثي على لسان الخبير الاقتصادي علي نور الدين، محاولين أن ننقل لكم كيف أنّ الحرب التي هجّرت مئات الآلاف من منازلهم تركتهم أمام معركة أخرى:


لا تُخاض بالسلاح، بل بالإيجارات والديون والخوف الدائم من فقدان المأوى مرّة جديدة.