10 Oct 2026
Like this post
لا أعلم من أين أبدأ حين يكون الكلام عن جورج وسوف. أشعر بأنّني أقترب من مساحة مزدحمة بملايين المحبّين، لكلّ واحد منهم حكايته معه، وذكرياته التي ارتبطت بصوته، وأغنية يعتقد أنّها كُتبت له وحده. وأكثر ما يربكني هو خوفي من أن أخطئ في التعبير عن شخص أحبّه إلى هذا الحدّ، أو أن تعجز الكلمات عن حمل ما أشعر به تجاهه.
سأترك الحديث عن تاريخه وإنجازاته لأصحاب الاختصاص، وأكتب عن جورج وسوف الذي أعرفه أنا، عن علاقتي بإنسانٍ رافقني منذ الطفولة، وأمضيت برفقته جزءاً كبيراً من حياتي من خلف الشاشات ومكبّرات الصوت. ورغم أنّني لم أحظَ بلقائه شخصياً، بات حضوره يشبه حضور صديق قديم يعرف متى يزورني، وكيف يواسيني، وأيّ أغنية أحتاج إليها في كلّ مرّة.
بدأت الحكاية باكراً، وربّما يستغرب البعض حين أقول إنّني أحبّ الوسوف منذ طفولتي. لكنّ الأمر يبدو طبيعياً لمن نشأ في بيئة كان صوته جزءاً من تفاصيلها اليومية. كان يصدح من السيارات العابرة، ومن نوافذ البيوت، وفي المناسبات والجمعات العائلية، وعلى موائد غداء الأحد التي كان يبدو أنّ لها طقساً ثابتاً: الطعام والعائلة وجورج وسوف. وحتى على الشواطئ وفي المسابح، كان أبو وديع حاضراً، وكأنّ لبنان بأكمله اتفق على أن يترك له مهمّة اختيار موسيقاه.
وكان لأحد أقربائي فضل كبير في توطيد هذه العلاقة. أمضيت معظم طفولتي برفقته وأصدقائه، في مشاوير طويلة داخل سيارة تكاد تكون أرشيفاً متنقّلاً للوسوف. شرائط كاسيت في كلّ زاوية، تضمّ جميع ألبوماته تقريباً، وتسجيلات حفلات كنت أسمعها مراراً حتى حفظت تفاصيلها، بما فيها أحاديثه مع الجمهور وضحكاته وطريقته في تقديم الأغاني.
أذكر أنّ أكثر ما كان يحزنني في تلك المشاوير هو اقتراب موعد إيصالي إلى المنزل. كنت أنزعج لانتهاء النزهة، ولأنّ عليّ مفارقة تلك الحفلة الصغيرة التي تقام داخل السيارة. وإذا وصلنا وكانت أغنية لا تزال تُعزف، كنت أطلب منه أن يقوم بجولة إضافية حول الحيّ حتى تنتهي. وأحياناً، لم تكن الأغنية وحدها هي التي تحتاج إلى جولة أخرى، بل أنا أيضاً.
وفي عام 2011، تعرّض الوسوف لوعكة صحية قاسية. كنت يومذاك في الرابعة عشرة من عمري، وأذكر كم أحزنني الخبر، وكم تابعت أخباره بقلق، كأنّ مكروهاً أصاب شخصاً عزيزاً من عائلتي. اشتقت إلى ظهوره، وتابعت مراحل تعافيه مترقّباً أخباره وعودته إلى الغناء. كانت تلك من المرّات الأولى التي أدركت فيها حجم تعلّقي بشخص لم ألتقه يوماً.
كبرت، وكبر هذا التعلّق معي، وانتقل الوسوف من مقعد السيارة إلى غرفتي، ومن مشاوير الطفولة إلى سهرات الأصدقاء، ثمّ إلى تفاصيل حياتي كلّها. صار رفيقي في الطريق، ومؤنس وحدتي، وشريك أفراحي وأحزاني. أستمع إليه حين أكون سعيداً فأزداد سعادة، وحين أحزن فأجد في صوته متّسعاً لحزني. وفي الأيام العادية، يكفي أن أسمعه حتى يتغيّر مزاجي. لكلّ مرحلة من حياتي أغنيتها، ولكلّ خيبة حفلتها، ولكلّ ذكرى مقطع يعيدني إليها مهما ابتعدت.
وللوسوف أيضاً مكانه في حكايات الحبّ التي انتهت، وفي تلك التي نظنّ أنّها انتهت قبل أن تعيدنا أغنية واحدة إلى بدايتها. نستمع إليه حين نشتاق إلى من غادر، وحين نكون مقتنعين بأنّ رحيله كان أفضل ما حدث لنا، وحين نتأرجح بين الأمرين في ليلة واحدة. ومن غرائب الوسوف أن يجد فيه العاشق والمفارق، والمخذول ومن اختار الرحيل، شيئاً يشبه حكايته. حتى الأغنية نفسها قد نسمعها بعد انفصال فنشعر بأنّها كُتبت لتعيدنا إلى أحدهم، ثمّ نعود إليها بعد سنوات فنكتشف أنّها صارت تساعدنا على نسيانه. هكذا يرافقنا أبو وديع في التعلّق والتعافي منه، وفي الحنين إلى أشخاص مضوا، والامتنان أحياناً لأنّهم مضوا.
أمّا معظم سهراتي اليوم، فأقضيها وحيداً في غرفتي، أقيم حفلة كاملة لجورج وسوف، يطربني فيها صوته، فأصفّق له، وأتولّى أحياناً مهمّة الجمهور الذي يطالبه بإعادة المقطع. وغالباً ما أعود إلى تسجيلاته القديمة، فأستعيد معها شيئاً من طفولتي، وأياماً وأشخاصاً احتفظ صوته بذكراهم. حفلات لا تحتاج إلى حجز مسبق، ولا تنتهي قبل أن أقرّر أنا ذلك. في الأمر شيء من الطرافة، وشيء آخر من الحنين الذي يعرف أبو وديع كيف يجعله محتملاً.
أحفظ معظم أغانيه وحفلاته، حتى بات أصدقائي يقولون إنّني أحمل شهادة دكتوراه في الوسوف، وأصبحت المرجع الذي يلجأون إليه كلّما أرادوا معرفة اسم أغنية أو العثور على حفلة. ويرسلون إليّ باستمرار مقاطع له عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيما تكون الخوارزميات قد سبقتهم إليّ بها منذ زمن. ومع ذلك، أعيد مشاهدة المقطع وأتفاعل معهم بحماسة من يراه للمرّة الأولى.
وبعد سنوات من الانتظار، تحقّقت أخيراً أمنية قديمة، حين حضرت حفلة له قبل سنتين، ورأيته على المسرح للمرّة الأولى. ورغم ما تركته الوعكات الصحية والسنوات من أثر عليه، شعرت كأنّني أحضر إحدى حفلاته في التسعينيات، تلك التي عرفتها من تسجيلاتها على التلفزيون. كان الجمهور من حولي، على اختلاف أعماره، يردّد أغانيه ويحفظ أدقّ تفاصيلها، ويستقبل كلّ مقطع بحماسة تكاد تسبق صوته. نظرت إلى الحاضرين وأدركت أنّ لكلّ واحد منهم حكاية طويلة مع هذا الرجل، وأنّنا جئنا جميعاً نحمل إليه شيئاً من أعمارنا وذكرياتنا.
ومن خلاله أيضاً، تعرّفت إلى أسماء كبيرة في عالم الطرب. كان الوسوف بوّابتي إلى أمّ كلثوم ومحمّد عبد المطّلب وغيرهما من العمالقة الذين أعاد تقديم أعمالهم بصوته وأسلوبه. جعلني أبحث عن الأغنيات في تسجيلاتها الأصلية وأكتشف أصحابها. وربّما لهذا كنت أستغرب، خصوصاً في صغري، حين يخبرني أحدهم بأنّه لا يحبّ جورج وسوف. كيف يمكن لشخص أن يستغني بهذه البساطة عمّا أعدّه أنا جزءاً ضرورياً من يومي؟
وبالطبع، لم تسلم هذه المحبّة من أحكام الآخرين المسبقة. فجمهور الوسوف ارتبط في المخيّلة الشعبية بصورة “الزعران”، وسيارات الـBMW القديمة المعروفة بـ”البطّة”، وسائقي التاكسي والفانات الذين يزيّنون زجاج سياراتهم بعبارات مقتبسة من أغانيه، ويتركون صوته يصل إلى الشارع بأكمله. سمعت ما يكفي من النكات عن هذه الصورة، وأضحك على بعضها أيضاً. فليحتفظ كلّ شخص بذوقه الموسيقي، وليترك لي متعة الاستماع إليه، حتى لو اضطررت يوماً إلى شراء “بطّة” لاستكمال هويّتي الفنية.
على أنّ هذه العلاقة مرّت بفترة جفاء قصيرة خلال الثورة السورية، حين أثار دعمه لبشّار الأسد والنظام السوري، وبعض مواقفه وتصرّفاته، استيائي الشديد. ابتعدت عنه لبعض الوقت، وكانت من المرّات القليلة التي شعرت فيها بأنّ محبّتي له تصطدم بقناعاتي. لكنّ الجفاء لم يطل. عدت إلى أغانيه، وبقي خلافي مع مواقفه قائماً، في واحدة من تعقيدات علاقتنا بالفنانين الذين يسكنون ذاكرتنا، حين يصبح الفصل بين ما منحونا إيّاه وما نختلف معهم عليه أصعب ممّا نتصوّر.
وبعيداً عن الموسيقى والمواقف السياسية، ثمّة ما يشدّني أيضاً إلى جورج وسوف: شخصيته العفوية، وخفّة دمه، وحنانه الظاهر في كثير من لقاءاته وتعامله مع الناس، وتلك الألفة التي يخلقها مع جمهوره حتى يبدو كأنّه يعرف كلّ فرد فيه معرفة شخصية. ولعلّ لقب سلطان الطرب يختصر شيئاً من مكانته، رغم أنّه لا يحبّ الألقاب كثيراً. لكن، إن لم نقل سلطاناً لجورج وسوف، فلمن نترك هذا اللقب؟
أفكّر أحياناً في عدد الساعات التي أمضيتها أستمع إليه، وفي الطرقات التي قطعتها برفقته، وفي كلّ ما تغيّر في حياتي فيما بقي صوته حاضراً فيها. بعض الفنانين نحبّهم لأغانيهم، فيما يتحوّل آخرون، من دون أن نشعر، إلى جزء من ذاكرتنا الشخصية، فنعود إليهم كما نعود إلى مكان قديم عشنا فيه.
وحتى اليوم، كلّما انتهت أغنية له، أشعر أحياناً بأنّ ذلك الطفل الذي كنته لا يزال جالساً في المقعد الخلفي للسيارة، ينتظر الوصول إلى البيت، ويتمنّى لو أنّ الطريق أطول بقليل.
أريد جولة إضافية يا أبو وديع. فما زلت أريد سماعك أكثر.