31 Oct 2026
Like this post
أتذكّر ذلك اليوم جيداً، كيف كنت أقف في منتصف البيت وأبكي بينما تتوزع حولي الصناديق المفتوحة، وكنت أتنقل بينها وبين الغرف كأنني أحاول، للمرة الأخيرة، أن أحفظ المكان بعيني قبل أن أتركه؛ كنت أعرف أنني سأغادر، وأنا من اختار الرحيل، ومع ذلك كان في داخلي شيء يقاوم الفكرة كلها، شيء لا يفهم كيف يمكن لمكان عشت فيه وحدي للمرة الأولى، وامتلأ خلال سنوات بتفاصيل لم يلاحظها أحد سواي، أن يتحول في غضون ساعات إلى مكان أستعد لأتركه خلفي. وكلما أمسكت غرضاً لأضعه في الصندوق، كنت أتوقف للحظة، لا لأنني لا أعرف إن كنت أحتاجه، لأنني كنت أكتشف متأخرة أنني لا أجمع أشياء، وإنما أحاول أن أقرر أي أجزاء من حياتي أستطيع أن آخذها معي وأيها سأضطر إلى تركه هناك.
لم يكن البيت كبيراً، ولم يكن مختلفاً عن بيوت كثيرة يمكن أن يمر بها أحد من دون أن يلتفت إليها، لكنه كان أول مكان عشت فيه وحدي، ولذلك كان يحمل بالنسبة إليّ أكثر مما تحمله جدرانه. فيه عرفت كيف يبدو أن تعود إلى مكان لا ينتظرك فيه أحد، ويمكن للصمت أن يصبح مألوفاً إلى درجة أنك تفتقده حين يغيب، وتتحول تفاصيل صغيرة، لا نعطيها أي قيمة في الأيام العادية، إلى علامات تثبت أننا كنا هنا. كان لكل شيء مكانه الذي صنعته الأيام من تلقاء نفسها؛ الكرسي الذي أجلس عليه، والضوء الذي يدخل من النافذة في وقت معين، والكوب الذي أتركه حيث أعرف أنني سأجده، وحتى الفوضى الصغيرة التي كنت أضيق بها أحياناً، ثم أكتشف، وأنا أفرغ المكان، أنها كانت جزءاً من الحياة التي سأفتقدها.
كنت أظن أنني أعرف معنى الرحيل قبل ذلك اليوم، لكنني اكتشفت أنه أسهل بكثير حين يكون فكرة، وأنه يصبح شيئاً آخر تماماً عندما تبدأ بإخراج الأشياء من أماكنها. عندها لا تعود تغادر المكان فقط، تبدأ بمشاهدة حياتك وهي تُفكك أمامك؛ فراغ يظهر مكان صورة كانت معلقة، ورف يخلو من الكتب، وخزانة تُغلق بعدما كانت تفتح كل صباح، وغرفة تتسع شيئاً فشيئاً كلما امتلأت الصناديق. وفي لحظة معينة، يصبح المكان الذي كان مزدحماً بحياتك هادئاً على نحو يوجع، كأن كل شيء فيه بدأ يفقد علاقته بك قبل أن تغادره فعلياً.
ومع ذلك، كنت أملك ما لم أفكر في قيمته وقتها، القدرة على الاختيار. كنت أستطيع أن أحزن، وأن أتوقف أمام الغرف، وأن أقرر ما سأحمله معي وما سأتركه، وكنت أملك رفاهية الاعتقاد بأن العودة ممكنة، وأن ما أتركه خلفي سيظل موجوداً إلى أن أقرر أنا العودة إليه.
هذه الرفاهية هي التي جعلتني أفكر لاحقاً في الذين يخرجون من أماكنهم تحت وطأة الحرب. لا أستطيع أن أقول إنني أعرف شعورهم، ولا يمكن أن أضع رحيلاً اخترته أنا إلى جانب رحيل يُفرض على إنسان لأن البقاء في المكان الذي يعيش فيه أصبح خطراً. لكن تجربتي الصغيرة جعلتني أفهم شيئاً عن التعلق بالمكان، ثم جعلتني أدرك، في الوقت نفسه، كم تختلف خسارة الإنسان حين يُحرم من حقه في تقرير موعد الرحيل وطريقته.
أنا كنت أفرغ المكان لأنني اخترت أن أبدأ شيئاً آخر، بينما هناك من يضطر إلى أن يفرغ حياته في دقائق لأن البقاء فيها أصبح خطراً. كنت أستطيع أن أتوقف أمام كل غرض وأقرر إن كنت سأحمله معي أو أتركه، بينما قد يغادر آخرون من دون أن يتمكنوا من جمع حاجاتهم الأساسية. كنت أبكي وأنا أعرف أن الغد موجود، وأنني سأصل إليه بإرادتي، بينما يخرج آخرون وهم لا يعرفون ماذا ينتظرهم بعد ساعات، ولا إن كان ما يتركونه وراءهم سيظل موجوداً حين يفكرون في العودة.
في الحرب، لا يختار الإنسان دائماً اللحظة التي تنتهي فيها حياته كما يعرفها. قد يكون لديه عمل ينتظره في الصباح، أو طفل عليه أن يعود إلى مدرسته، أو موعد رتّب له منذ أسابيع، ثم يصبح كل ذلك بلا معنى أمام ضرورة النجاة. تتوقف الخطط، وتتغير الأولويات، ويصبح السؤال الذي لم يكن يخطر في البال أكثر إلحاحاً من أي شيء آخر:
أين سنذهب؟ كم سنبقى؟ متى نستطيع أن نعود؟ وماذا سنجد حين نعود؟
نحن نتحدث عن النزوح غالباً بلغة الأرقام والجغرافيا؛ عائلات غادرت، وقرى أُخليت، وأشخاص انتقلوا من منطقة إلى أخرى بحثاً عن مكان أكثر أمناً. وهذه اللغة ضرورية لفهم حجم ما يحدث، لكنها لا تكفي لفهم ما يعنيه أن يُقتلع إنسان من حياته.
فكلمة “نزوح” تختصر أشياء كثيرة لا تظهر في معناها المباشر: صباحاً انقطع قبل موعده، وغرفة تُركت كما هي، وملابس بقيت في الخزانة، وصورة لم تجد مكاناً في الحقيبة، ومدرسة لم يعد الطفل إليها، وجيران لا يعرف أحد متى سيراهم مجدداً. إنها أيام كانت تمضي وفق إيقاع مألوف ثم انكسرت دفعة واحدة.
في الأيام العادية، لا ننتبه إلى قيمة الاستمرار؛ أن نستيقظ في المكان نفسه، وأن نعرف أين سنكون مساءً، وأن نخطط للأسبوع المقبل من دون أن نفكر في احتمال ألا نتمكن من عيشه كما تخيلناه.
نعامل تفاصيل حياتنا كأنها مضمونة، إلى أن تأتي الحرب وتحوّل المألوف إلى شيء قابل للفقد. عندها لا يعود المستقبل امتداداً طبيعياً للحاضر، يصبح مساحة معلقة، لا يعرف الإنسان ماذا ينتظره فيها ولا متى يستطيع أن يستعيد بعض اليقين.
ولا تتعلق أسئلة العودة بالمكان وحده، بالحياة التي كانت مرتبطة به. فالإنسان لا يعود إلى عنوان فارغ، يعود، إن استطاع، بحثاً عن الأشخاص الذين كانوا جزءاً من يومه، والشوارع التي يعرفها، والأصوات التي اعتاد سماعها، وعن إحساس بسيط بأن حياته كانت تسير في اتجاه مفهوم قبل أن تتدخل الحرب وتقطع الطريق بينها وبين ما كان يفترض أن يأتي بعدها.
وهنا يصبح الانتظار جزءاً من الفقد نفسه. أن تفقد شيئاً نهائياً، على الرغم من قسوته، يعني أن تواجه حقيقة الخسارة، أما أن تعيش في انتظار شيء لا تعرف إن كنت ستستعيده أم لا، فذلك يتركك في منطقة معلقة؛ لا تستطيع أن تودّع تماماً، ولا أن تطمئن تماماً. لا يمكنك أن تعتبر حياتك السابقة انتهت لأن احتمال العودة ما زال قائماً، ولا يمكنك أن تعيش كأنك ستعود غداً لأن الحرب لا تعطيك موعداً لذلك.
أفكر في الذين غادروا وهم يظنون أن الغياب سيكون قصيراً، وأن الأيام ستعيدهم إلى تفاصيلهم المعتادة، ثم طال الغياب أكثر مما توقعوا وتغيرت أشياء كثيرة أثناءه. أفكر في الأطفال الذين كبروا بعيداً عن أحيائهم، وفي العائلات التي اضطرت إلى تحويل الأماكن المؤقتة إلى حياة يومية، وفي الذين صار عليهم أن يتعلموا كيف يبدأون يومهم في مكان لم يختاروه، بينما جزء من ذاكرتهم لا يزال يعيش في المكان الذي خرجوا منه.
لأن النزوح لا ينتهي بالوصول إلى مكان آخر، الوصول يحل مشكلة الطريق، لكنه لا يحل بالضرورة مشكلة الفقد. قد يجد الإنسان مكاناً ينام فيه، وطعاماً يأكله، وأماناً نسبياً يحميه من الخطر المباشر، لكن ذلك لا يعني أن حياته استعادت شكلها. هناك فرق بين أن تكون في مكان آمن وأن تشعر بأنك عدت إلى حياتك، وبين أن تتوقف الحرب حولك وبين أن تتوقف آثارها داخلك. فالحياة التي تركها الإنسان لم تكن مجرد جدران وأثاث؛ كانت شبكة من العلاقات والعادات والخطط الصغيرة التي منحت أيامه معناها.
لهذا لا أفكر في التهجير باعتباره خسارة مكان فقط، إنما خسارة الاستمرارية؛ ذلك الإحساس الهادئ بأن حياتك ستكمل من حيث توقفت، وأن ما ستفعله غداً يمكن أن يكون امتداداً لما فعلته اليوم. الحرب تقطع هذا الخيط من دون استئذان، وتجعل الإنسان مضطراً إلى أن يبدأ من منتصف شيء لم ينتهِ، فيعيش بين حياة تركها وراءه وحياة جديدة لم يخترها بعد. يحمل معه ذاكرته وعاداته وأصوات الأماكن التي عاش فيها، ويحاول أن يبني أياماً جديدة من دون أن يعرف إن كان سيستطيع العودة إلى الأيام القديمة.
ولعل أصعب ما في الرحيل ليس أن تبتعد عن مكان أحببته، أن تضطر إلى تركه قبل أن تكون مستعداً لأن يصبح ماضياً. أن تستمر في الحياة بينما جزء منك لا يزال ينتظر شيئاً لا تعرف إن كان سيأتي، وأن تحاول بناء أيام جديدة فوق حياة انقطعت فجأة، وتركت خلفها أشياء كثيرة لم تجد فرصة أخيرة لتقول لها وداعاً. فالحرب لا تأخذ من الإنسان المكان وحده، تأخذ منه أحياناً القدرة على ترتيب خسارته؛ لا تمنحه وقتاً ليودّع، ولا فرصة ليختار ما يحمل، ولا يقيناً بأن ما يتركه سيبقى كما هو.
أتذكر يوم وقفت في منتصف بيتي أبكي، وأفكر الآن في الفرق بين أن تترك مكاناً تعرف أنك تستطيع العودة إليه، وأن تغادره وأنت لا تعرف إن كان سيبقى موجوداً. كنت أظن أن أصعب ما في الرحيل هو أن تبتعد عن مكان أحببته، لكنني أفهم اليوم أن الأصعب قد يكون أن تظل متعلقاً بمكان لا تعرف إن كان ينتظرك، وأن تحمل احتمال العودة معك من دون أن تعرف إن كانت هذه العودة ستعيد إليك شيئاً مما فقدته.
اليوم أفهم أن أقسى ما يمكن أن يأخذه الحرب من الإنسان ليس البيت وحده، اليقين بأن البيت سيظل هناك. أن يغادر المرء وهو يملك مفتاحاً، ولا يعرف إن كان سيجد باباً حين يعود، وأن يبقى طوال الطريق، يحمل السؤال الذي لا يملك أحد إجابة عنه:
هل سيكون لديّ، حين تنتهي الحرب، مكان أعود إليه؟