10 Apr 2026
Like this post
“لقد حوّل حزب الله الجغرافيا اللبنانية من وطنٍ للأرز إلى ‘منصة إطلاق’ مستأجرة، ومن سيادةٍ مُستحقة إلى ‘مساحة مقايضة’ في بازار الطموحات الإمبراطورية لإيران، لبنان اليوم يُحرق كحطبٍ في مدفأة طهران لتدفئة طاولات مفاوضاتها الدولية؛ فدماء اللبنانيين باتت تُسكبُ بلهجةٍ غريبة، فوق ترابٍ لم يَعُد يملك من أمره إلا حق الصراخ، بينما الأصابع التي تضغط على الزناد لا ترى في بيروت سوى ضاحيةٍ بعيدة من ضواحي القرار في طهران”.
يُساق لبنان اليوم إلى مواجهة مفتوحة نتيجة خيارات يقودها حزب الله، في مسار تصعيدي يتجاهل كلفة الحرب على الدولة والمجتمع. المشهد العام يكشف أن قرار الحرب والسلم قد خرج تماماً من إطار المؤسسات الرسمية، لينتقل إلى جهة واحدة تفرض إيقاعها على بلد يرزح تحت أزمات خانقة، مما يحوّل الدولة إلى مجرد صدى لخيارات عسكرية مسبقة الصنع.
كشفت كواليس مفاوضات (إسلام أباد) الأخيرة عن وضعية لبنان كطرف هامشي في تفاهمات القوى الكبرى. تظهر المعطيات الدبلوماسية فجوة بين مسار التهدئة الإقليمي والواقع الميداني اللبناني؛ ففي الوقت الذي ركزت فيه الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترمب على استثناء الساحة اللبنانية من ترتيبات وقف إطلاق النار، اتجهت الأولوية الإيرانية نحو حماية المصالح الاستراتيجية في مضيق هرمز وتأمين مخرجات سياسية تخفف من حدة الضغوط الدولية على طهران.
استثمرت الحكومة الإسرائيلية حالة الغموض المحيطة ببنود “النقاط العشر” لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة تحت مسمى (الظلام الأبدي). يعكس هذا التصعيد استغلال إسرائيل لغياب الغطاء السياسي الدولي عن لبنان، وتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات بعيداً من طاولة المفاوضات الرسمية.
تؤكد هذه التطورات نتائج انخراط حزب الله في الصراعات الإقليمية؛ حيث أدى ربط الجبهة اللبنانية بملفات إقليمية معقدة إلى فقدان الدولة اللبنانية قدرتها على المبادرة الدبلوماسية أو حماية أمنها القومي. لقد تحول لبنان إلى ورقة مقايضة ضمن استراتيجية “تبادل الرسائل” بين واشنطن وطهران، مما جعله عرضة لعمليات تدميرية ممنهجة في ظل غياب أي حماية قانونية أو سياسية دولية، وهو ما يضع البلاد أمام كلفة بشرية واقتصادية ناتجة عن تغليب الأجندات العابرة للحدود على المصلحة الوطنية العليا.
يعتمد الحزب في سلوكه الحالي على نهجٍ عالي المخاطر، يضع لبنان في قلب صراعٍ إقليمي يتجاوز قدرته على الاحتمال. هذا الانخراط، ضمن حساباتٍ مرتبطة بإيران، يجعل البلد ساحةً جاهزةً للاشتعال وورقةَ ضغطٍ تُستخدم في توقيتاتٍ إقليميةٍ محددة.
والنتيجة باديةٌ للعيان: استبعادُ لبنان من ترتيبات التهدئة والتفاهمات الكبرى، لأن القرار الفعلي ليس بيد الدولة، بل بيد طرفٍ يربط مسار التصعيد بأجنداتٍ خارج الحدود، تاركًا اللبنانيين وحدهم لتحمّل تبعات الدمار.
إن هذا النهج يحمل طابعاً انتحارياً من حيث “الكلفة مقابل العائد” ففتح الجبهات من دون غطاء وطني يضع البنية التحتية والنسيج الاجتماعي أمام خطر الانهيار الكامل، ويكرّس حالة استنزاف مستمرة لا أفق لها. كما أن هذا التصعيد يترك آثاراً عميقة تتجاوز الميدان لتضرب الثقة بين مكونات المجتمع، حيث بات اسم الحزب يرتبط في الذاكرة الجمعية بالخراب والانقسام، سواء في تدخلاته الخارجية كما في سوريا، أو في تحويله الجنوب اللبناني إلى ساحة اختبار للصراعات، مما يجعله عرضة لمخاطر احتلالات جديدة أو ضغوط أمنية دائمة.
الأخطر في هذه السياسات هو “العزلة” التي فرضتها على الحاضنة الشعبية للحزب. فمن خلال ربط مصير طائفة كاملة بخيارات عسكرية مفتوحة، تحوّلت هذه البيئة إلى طرف في مواجهة مباشرة مع بقية الشركاء في الوطن. هذا الارتباط العضوي يخلق شرخاً اجتماعياً عميقاً ويضع هذه الفئة في “سجن ذاتي” حيث تجد نفسها محاصرة بين ولاء أعمى لقرار الحزب، واحتياج طبيعي للبقاء ضمن نسيج وطني متماسك، مما يعمق الانقسامات الطائفية والمناطقية.
إن الوصول إلى هذه “المهلكة” هو نتاج سنوات من التساهل الرسمي تجاه السلاح غير الشرعي. لقد منحت الدولة، بجيشها وقواها الأمنية، غطاءً ضمنياً لمجموعة تتحرك خارج القانون، ما أدى إلى فقدان السيادة الوطنية. إن الخروج من هذا النفق يبدأ بإعادة الاعتبار للدولة وحدها كصاحبة الحق الحصري في قرار الحرب والسلم، ووضع حد لسياسات تضع بلداً كاملاً على حافة الانفجار الدائم خدمةً لمصالح الآخرين.