10 Apr 2026
Like this post
بين حدثٍ وحدث، تتكشّف تدريجياً لعنات بلدي التي تلاحقني.
وأجدني أغرق فيها جميعاً، لأن قوتي لا تكفي لمجابهتها كافةً.
لا أعرف أي لعنة يجب أن أواجهها قبل الأخرى؛ لأنّ اللعنة هي لعنة تُسوّد الحياة مهما حاولت أطرافها تلوينها.
هل يجب أن أواجه لعنة حزب الله، اللعنة التي تلاحق بلدي وشعبي منذ عقود؟
لعنة الداخل، التي حرّمت علينا أن نعيش لحظة سلام وأمان، والتي أنستنا فعلاً طعم الطمأنينة؟
نفس اللعنة التي عملت طوال خمسين عاماً على جعل الطوائف تشعر أنّ عليها أن تبقى متيقّظة من الشيعة خوفاً من “أن يأكلوهم”، وحوّلت الشيعي إلى بعبع قد ينقضّ على كل من هو من خارج بيئته ويفترسه بأنيابه.
وهي أيضاً التي سلبت خيرة شباب بلادنا، بعد أن عشّشت لسنوات أوهاماً سريالية في عقول هؤلاء الشباب، فجرّتهم إلى مشاريع انتحارية بذريعة دينية.
وهي ذاتها التي لاحقت كل معارض، فقتلته أو رهّبته أو هدّدته، حتى جعلت كل لبناني يعدّ للألف قبل أن يتجرّأ على معارضة حزب الله. وهي التي خيّمت على الضاحية والجنوب والكثير من المناطق، حتى صوّرتها وكأنها مناطق محرّم الدخول إليها لغير الشيعي.
لعنة حزب الله، التي جلبت حرب تموز 2006، التي دمّرت البنية التحتية اللبنانية المدنية وقتلت أكثر من 1000 روح بريئة، ثم سُوّقت على أنها انتصار إلهي للحزب. في حين لم أتمكن يوماً من فهم أو الاقتناع بأن وفاة نحو 1200 لبناني مقابل 160 إسرائيلياً فقط هو انتصار.
وكل فترةٍ وأخرى كانت تجلب مصائب، من 7 أيار 2008، إلى التدخّل في حرب سوريا في 2012، وحرب إسناد غزة 2023، ثم حرب الثأر لخامنئي 2026 وغيرها كثير، حتى انتهكت حرمة بلادي إلى أقصى حد، ونخرت نخاع مؤسساتها الشوكي، حتى شلّتها إلى درجة أنّ العلاج لم يعد معروفاً كم سيستغرق.
في المقابل، توجد لعنة مسؤولي دولتي، أولئك الذين وصلوا إلى مراكز السلطة ولم يكونوا بمعظمهم يوماً رجالاً لوضع حدّ لتغلغل حزب الله في البلاد، وتركوه يكبر ويكبر إلى درجة لم يعد بإمكانهم وضع سقف لجموحه.
مسؤولو دولتي الذين، في كثير من الأحيان، لم يكونوا يختلفون عن حزب الله، بامتصاصهم خيرات البلد وأرزاق شعبه.
مسؤولو دولتي الذين، بعد انتهاء كل حرب أو توتّر، تراهم يتصافحون ويقهقهون معاً، ويجلسون على المائدة نفسها، على حساب دفعت فاتورته تلك العجوز التي بقيت تنتظر ابنها الشهيد، والفتاة التي تنتظر زوجها، وأولئك الأطفال الذين ينتظرون والدهم البطل؛ فاتورة بسعر بيع الوطن.
ولا أعرف ماهيّة هذه اللعنة، وربما هي الأصعب على المجابهة. لأنها صارت مزيجاً بين جبن وخبث مسؤولي دولتي وتأثير لعنة حزب الله البوليسية، فأنتجت مسؤولين ضعفاء، جبناء، بلا إرادة، يفوّتون الفرص تلو الأخرى لإعمار لبنان، رغم أنهم أتوا في فترةٍ كان فيها حزب الله الأضعف بعد سقوط ظهره السوري، وتلاشي ظهره الإيراني، وانقطاع شريانه المالي. وفي حين كان بإمكان مسؤولي دولتي أن يدخلوا صفحات التاريخ كشخصيات جلبت الخلاص للبنان، فإنهم، إذا استمروا بهذه الوتيرة، سيدخلون كالأجبن الذين فوّتوا الفرصة، فقط لأنهم لم يتمكنوا من نفض غبار لعنة حزب الله عنهم.
وهناك أيضاً لعنة إسرائيل المجرمة، التي تأتي وطأتها بقدر وطأة اللعنات الأخرى، لكنها تختلف بشيء واحد فقط، إذ تأتي مع لمسة فنية إجرامية، تُعيد الأرض إلى أصلها الكوني: واسعة، فارغة، قاحلة، بتضاريس كثيرة من دمار وردم.
لعنة إسرائيل التي لطالما استدعتها لعنة حزب الله، والتي باتت حاصدة أرواح آلاف اللبنانيين، وسالبةً ذكرياتهم، وناقشةً الصدمات في أرواح الملايين.
لعنة إسرائيل التي ربما هي الأكثر وحشية وتفنّناً بالإجرام، والتي عرّفتنا على تكتيكات حربية لقتلنا لم نرَ قبلها مثيلاً؛ من أجهزة البيجر إلى عمليات الاغتيال، واستهدافاتها المزدوجة، وفكرها الإجرامي الذي لا يفرّق بين عنصر من حزب الله أو مسعف أو صحافي أو غيره.
وأخيراً تأتي لعنتي الشخصية، التي تجمع كل لعنات بلدي التي تلاحقني، وتضيف إليها رشةً من الحرب الأهلية.
لعنة الرقم ستة، التي بدأت في 17 تشرين الأول 2019، بعد زيادة 6 سنتات على مكالمات “واتساب”، وكشفت بعدها النقاب عن أزمة اقتصادية كانت نائمة لسنوات، وها نحن مستمرون بمواجهتها.
وتمثّلت أيضاً برقم الستة نواب للمغتربين، الذين حاول كثير من مسؤولي بلادي تسويقه على أنه السبيل الوحيد للديمقراطية.
وبعدها الستة صواريخ التي أطلقها حزب الله في 2 آذار 2026، ثأراً لخامنئي، فأرجعتنا في يوم واحد ست سنوات إلى الخلف، والآن، بعد قرابة شهر ونصف، على الأرجح عدنا 60 سنة إلى الوراء.
وهناك لعنتي الشخصية المتمثلة الرقم ستة الذي لاحق والدي منذ عام 1982 خلال الحرب اللبنانية، حين ضاع لمدة ستة أيام، وعلق في حفرة بعرضه وطوله، تحت النار، ليخرج بعدها إلى منزله، فيجد أن ستة أيام كانت كفيلة بأن يرى أهله يحضّرون جنازته.
هذه هي لعنات بلادي التي لطالما لاحقتني،
حتى كسرت فيّ أحاسيس بتّ أجبر عقلي على أمر قلبي بإخراجها.