حزب الله كلعبة الغبار المحشوة

حزب الله كلعبة الغبار المحشوة

لقد عمل العباسيون على نقل وترجمة العلوم والآداب اليونانية، واختار وانتقى حزب الله من هذا النقل الأساطير الوثنية. فتقمس إيكوريس وظن أن باستطاعته بألوهيته المزيفة إعادة كتابة قصته بتغيير أجنحته من تلك المصنوعة من الشمع والريش إلى أخرى حديدية، فطار وعلا بغروره ناسياً أن الشمس تذيب الحديد لا الشمع فقط. ولتجاهل الحزب الإيكاروسيّ لقانون الحياة هذه، ولتجاهله لتحذيرات والده ديدالوس من الطيران عالياً حتى الاقتراب من الشمس فتذوب الأجنحة، وقع من الأعالي فتكسر هو وطموحاته وأوقع معه كلّ من آمن فيه، معيداً إنتاج الأسطورة لا مغيراً لها.

ولأن السقوط المفاجئ من علوٍ شاهق لا يُعقل بسهولة، وجد الشيعة العابدين للأساطير الوثنية أنفسهم، في ارتباك من التغيرات الحالية، إذ إنّ أي فرد منا ما كان سيصدق لو قلت له السنة الماضية في مثل هذا الوقت أن سلاح الحزب وسطوته السياسية سينتهيان، فما بالك من ذلك الذي جعل منه جزءاً من هويته. إذ هذا الفرد في ظلّ التطورات الحالية لم يخسر سند ظهره فقط، بل وخسر أيضاً جزء من نفسه التي تماثلت وارتبطت بمنظومة سياسية حربية مثلت نفسها على أنها رحمة الله لا بل وجوده على الأرض أيضاً. إن هذه الخسارة بالتالي خسارة فادحة للنفس المؤمنة فيها فتغرقها في أزمة وجودية تدفعها إلى السؤال (الواعي أو غير الواعي) عن كينونتها: “من أنا؟ من أنا من دون هذه المنظومة؟”. ويرتبط هذا التزعزع بفقدان معنى الحياة، والشعور بالارتباك، والحيرة، والتفكك، والخوف، وغيرها من مشاعر الضياع. إن هذه المشاعر ناتجة عن استقبال الدماغ لخسارة النفس كاستقباله للموت ومروره بالتالي بمراحل الحداد/الحزن الخمس التي عرّفتها إليزابيث كوبلر روس (Elisabeth Kübler-Ros): الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتآب، والقبول.

فبدءاً، شهدنا الإنكار عند إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، فحينها رفض الشيعة واقع هزيمة الحزب الساحقة وادعوا الانتصار طوال طريق رجوعهم من الشمال الى الجنوب. أما اليوم فالأفراد في المجتمع الشيعيّ إمّا غاضبون، أو مساومون، أو مكتئبون. فالغاضب ينزل إلى الطرقات ويسبب الفوضى محاولاً استعادة “أمجاد” حزبه السابقة بالقوة والترهيب والتخويف، فيماثل أحداث 7 أيار بركاكة. أمّا المساومة فنجدها في المماطلة في تسليم السلاح والمفاوضات الفارغة التي يحاول ممثلو الحزب القيام بها. وبالنسبة للاكتآب، فهو بين الناس يتجلى مثلاً في فقدان الأمل من العودة إلى “أمجاد الماضي” وفي خوفهم المضني من تهميشٍ مستقبليّ. أمّا القبول فسيأتي مع الوقت. لكن الآن، فعلى كلّ من فقد “إيكوريس” عند سقوطه أن يمرّ بالمراحل هذه، فيقفز صعوداً ونزولاً بين واحدة وأخرى، حتى يستقرّ عند القبول.

وقد يمر الأفراد هؤلاء بالمراحل ذاتها بعد التسليم الكلي للسلاح أيضاً. فينكرون أنه حدث قائلين: “لا بد أن الحزب لا يزال يملك سلاحاً خفياً” أو يمكن أن يُأمنوا أنه سوف يعود للتسلح (مرحلة الإنكار). من ثم، سيغضبون أنه لا يملك سلاحاً أو أنه لا يبذل الجهد للتسلح (مرحلة الغضب). بعد ذلك سيحاولون المساومة إلى عودة السلاح أو يحاولون إقناع من حولهم أن الوضع كان أفضل في وجوده (مرحلة المساومة)، من ثم سيغرقون في الخذلان عند اكتشافهم أن الواقع الذي يتمنون لن يكون (مرحلة الاكتآب). وأخيراً، سيقبلون الواقع الجديد، يتأقلمون معه ويمضون في حياتهم (مرحلة القبول).

وقد يعلق بعض الناس في إحدى المراحل فيجدون صعباً لا بل مستحيلاً الخروج منها. على الآخرين أن يعوا، أنّ من لا يستطيع الخروج من إحداها إنسان يتألم ويبحث عن الأمان في ماضٍ لا يريد الابتعاد عنه. ففي الزاوية التي كُنس منها بقايا غبار الحرب الأهلية والتسلح غير الشرعيّ، كان يملك هذا الفرد لعبة محشوة صغيرة أهداه إياها أبوه الشهيد لتؤنسه. وقد كُبت هذه اللعبة في فوضى التنظيف بينما كان الفرد يبكي رميها ويصرخ لعودتها. وعليهم أن يعوا أيضاً أننا كلنا مهما كبرنا أطفالاً صغار نبحث عن الأمان في الألعاب المحشوة التي تختلف شكلاً ونوعاً. لذلك بدل اللعبة، علينا أن نبني لهذا الفرد مدينة ألعاب، لا يلعب فيها وحده ويفرح بينما باقي الأطفال يبكون الدخول من الخارج، بل يدعوا كلّ هؤلاء للعب فيها معه، فيغرقون سوياً في مسبح طابات تحيطهم وتحيطه بأمان كانت تُأَمّنه له لعبة الغبار.