من رحلة اختفاء معارض إماراتي في سوريا

من رحلة اختفاء معارض إماراتي في سوريا

اعتقلت السلطات السورية المعارض الإماراتي جاسم راشد الشامسي في 6 تشرين الثاني على أحد الحواجز الأمنية في ريف دمشق، وسط غياب توضيحات رسمية حول أسباب توقيفه أو مكان احتجازه، وتزايد متابعة الجهات الحقوقية للملف مع تركّز الاهتمام على طبيعة الإجراءات المتخذة بحقه.

جاسم الشامسي يشكّل واحداً من أبرز الوجوه المعارضة في الإمارات. خلال العقد الأخير، بدأ الرجل كمسؤول مالي رفيع، مساعد وكيل وزارة المالية، قبل أن ينتقل من البيروقراطية إلى ساحة الصراع السياسي مع اندلاع الربيع العربي، إذ وقف بوضوح إلى جانب موجته الإصلاحية ورفع سقف المطالب العامة.
منذ 2011 دخل في مواجهة مباشرة مع أجهزة الدولة، ليصبح لاحقًا أحد أبرز المطلوبين في ملف “الإمارات 94” الذي انتهى إلى محاكمات جماعية واسعة. لاحقته السلطات وحُكم عليه غيابيًا بالسجن 15 سنة، قبل أن تتصاعد القضية إلى مستوى أشد ضمن ملف “الإمارات 84” الذي صدر فيه حكم المؤبد بحقه، لتتبعه خطوة إضافية في العام 2025 عبر إدراجه رسميًا على قائمة الإرهاب.
 
بعد خروجه من الإمارات تنقّل بين تركيا وسوريا، واستقر أخيرًا في سوريا متأثرًا بعامل شخصي مهم أن زوجته رغدة كيوان سورية الأصل. آخر نشاط له قبل تصنيفه في قائمة الإرهاب كان يتمحور حول خطاب سياسي علني يتناول قضايا الاعتقال السياسي في الإمارات، ويدعو لإعادة فتح ملفات المحاكمات القديمة، عبر مقابلات وإطلالات إعلامية عبر منصات معارضة عربية ودولية.

وأوضحت زوجته: “تلقيت أخبارًا مقلقة تفيد بأن هناك نية لدى الحكومة السورية لتسليم زوجي للإمارات، وهذا الأمر سيقضي على حياته، نظرًا لوضعه القانوني هناك، ومحاكماته السابقة على خلفية نشاطه السياسي.

بالإضافة إلى ذلك، أوضح مركز مناصرة معتقلي الإمارات أن “الناشط المعارض جاسم الشامسي لا يزال مختفيًا قسريًا في سوريا منذ اعتقاله قبل 13 يومًا”، مشيرًا إلى أن “مكانه لا يزال مجهولًا وأن مصيره غير واضح، إذ تم اختفاؤه قسريًا في دمشق يوم 6 تشرين الثاني الحالي”.
 
وأضاف المركز أن “آخر مرة شوهد فيها كانت زوجته في ساحة الأمن السياسي بعد أن تم اعتقاله بشكل قسري، ولم تتمكن عائلته أو زوجته من معرفة مكان احتجازه أو التهمة الموجهة إليه رغم محاولاتهم المتكررة”.
 
قبل أيام، قدّمت زوجته سردًا تفصيليًا للحظة الاعتقال، وقالت:
“كنا نسير بالسيارة باتجاه عين ترما عبر الطريق السريع الجنوبي في ضواحي دمشق. عند الدخول إلى الطريق الفرعي، فوجئنا بوجود حاجز أمني مؤقت لم يكن موجوداً من قبل. اقترب عناصر يرتدون لباساً أسود ويحملون أسلحة وطلبوا من زوجي هويته”.
 


وأردفت: “جاسم لا يحمل جواز سفر ساري المفعول، لكنه أبرز رخصة القيادة التركية. بعد رؤيتها، طلبوا منه النزول فوراً بلا تقديم أي مذكرة أو تفسير. أخذوه مباشرة إلى سيارة غير مميزة، ثم جلس أحد العناصر في سيارتنا وقادها خلف السيارة التي نقلته”.
 
وتابعت: “عندما وصلنا إلى مقر الأمن السياسي في دمشق – منطقة الفيحاء، أنزلوا العناصر جميعاً باستثناء جاسم الذي بقي داخل السيارة. لم يسمحوا له بالكلام معي، ولم يسمحوا لي بالاقتراب إلى السيارة الموجود فيها، ثم تم تفتيش سيارتنا. وطوال الوقت كنت أسأل وأكرر على الجميع لماذا؟ ماذا يحصل؟ لا من مجيب. ثم أمر المسؤول الذي كان لباسه مدنياً بإيصالي إلى المنزل، وعندما رفضت قال لا تقلقي إنه إجراء روتيني وسينتهي سريعاً! وكان ردي أتمنى أن تكون صادقاً”.
 
وتضيف أنها سألت أحد العناصر:
“هل تعلم من زوجي؟”
فأجاب: “لا ومن يكون”
وتابعت: “فأوضحت له القضية (أنه معارض إماراتي) وأني أخاف من اختطافه، رده كان أنتِ في مركز أمني لا تقلقي لا أحد يخطفه. وتم إيصالي بغير رغبة مني، ومنذ تلك اللحظة لم أره ولم يصلني عنه أي خبر”.
 


ووفق روايتها، كانت آخر مرة رأته فيها داخل ساحة الأمن السياسي:
“كان يجلس في المقعد الخلفي ومحاطاً بعناصر الأمن، ولم يسمح له بنطق أي كلمة. نظر إليّ نظرة صامتة، واضحة بأنها نظرة شخص لا يعرف لماذا يُحتجز. بعدها أُغلق الباب عليه، وكان ذلك آخر مشهد رأيته فيه”.
 
وفي صباح اليوم التالي، عادت إلى الأمن السياسي لتسأل عنه: “انتظرت ثلاث ساعات، ثم قيل لي إن السيارة التي وصفتها لم تدخل أصلاً، على الرغم من أنني رأيت كل شيء بعيني”.
 
ثم توجّهت إلى إدارة السجون في ساحة المرجة: “أرسل الموظف استفساراً رسمياً عبر البريد الإلكتروني لرئيسه، وطلب مني العودة بعد ساعتين، لكن عند عودتي قالوا: لا يوجد رد… ولا توجد أي معلومات”.
 


وتابعت أنها زارت وزارة الداخلية أيضًا: “استقبلني مدير مكتب العلاقات العامة الذي أكد أنه سيتابع الموضوع، وأعطاني ورقة رسمية لمراجعة ضابط برتبة عقيد. راجعت الضابط، لكن لم أحصل على أي معلومة”.
 
وأكّدت: “هذا الإنكار المتكرر، على الرغم من معرفتي بأنهم نقلوه إلى هذا المكان، لا يترك أي مجال للشك أننا أمام حالة إخفاء قسري مكتملة”.
 
وأضافت: “لا نعرف مكانه، ولا وضعه الصحي، ولا إن بقي في الأمن السياسي أو نُقل إلى جهة أخرى. منذ لحظة إغلاق باب السيارة عليه، اختفى تماماً”.

وتصف الوضع النفسي للعائلة بأنه “مؤلم جداً. الأطفال يعيشون حالة خوف وحيرة لأنهم لا يفهمون ما حدث. السؤال الذي يتكرر دائماً: أين بابا؟
ولا أملك إجابة. هذا الغموض يجعل الوضع النفسي للأسرة صعباً للغاية. عدم معرفة مصيره هو أقسى ما نواجهه يومياً”.

وأشارت إلى الوضع القانوني للعائلة: “إقامتنا في سوريا كانت قانونية، ودخلنا البلاد بشكل رسمي، وكان زوجي على وشك الحصول على إقامة”.

القضية تفتح باباً عن “إلى متى سيبقى حجز حرية إنسان ملك يمين السياسة الأمنية”.