24 Feb 2025
Like this post
بعيدًا عن الخطابات المفعمة بالأوهام، يدرك حزب الله يومًا بعد يوم حقيقة الواقع اللبناني الجديد، حيث لا مكان للبطولات الوهمية والانتصارات التي لا يراها سوى مناصروه الغارقون في الإنكار، غير القادرين على تقبّل حجمهم الحقيقي. ها هو خطاب نعيم قاسم، ومعه قطع الطرقات احتجاجًا على منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في لبنان، لا يعكسان سوى حالة الإنكار هذه. كيف لا يعتصمون، وقد كانت تلك الطائرة تحمل شيكات لـ “أشرف الناس”.
يمكن تفهّم حال مناصري الحزب، الذين انتقلوا من حلم “محاربة إسرائيل” إلى صدمة الواقع، حيث اكتشفوا أن الحزب الذي آمنوا به ووثقوا بأنه سيحميهم ويدمر إسرائيل في “سبع دقائق”، لم يتمكن حتى من تأمين مأوى أو أبسط مقومات الحياة لهم بعدما تهجّروا من منازلهم. وكما جرت العادة، تحوّلت هذه الصدمة إلى استعراض للقوة في الداخل، وخصوصًا ضد من احتضنهم. فأغلقوا الطرقات مستخدمين شاحنة نفايات، احتجاجًا على منع الطائرة الإيرانية من الهبوط. ولم يدركوا أن حزبهم نفسه هو من وقّع الاتفاقية التي تُلزم إيران بعدم إرسال أي تمويل له، كما أن لإسرائيل الحق في منع أي محاولة لخرق هذا الالتزام.
وفي أثناء الاعتصام، وبينما كانوا يتهمون رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بالعمالة، كانوا يرفعون علم إيران بدلًا من علم لبنان، بل ويحرقون العلم اللبناني، مردّدين هتافات مثل “يا زهراء” و”يا حسين”، معتبرين أن شعار “الشيعة احتلوا لبنان” هو تعبير عن سيادتهم. وفي الوقت ذاته، كان ناشطو الحزب ينشرون فيديوهات يتّهمون فيها الرئيسين بالعمالة، ويؤكدون أنهم “سادة مستقلون” وليسوا من جماعة “أمرك سيدنا”، رغم أن تحركهم بالكامل كان دفاعًا عن المصالح الإيرانية.
وبينما كان هؤلاء يصرخون في وجه أبناء وطنهم، حيث وثّق مقطع فيديو لحظة صراخ إحدى الفتيات داخل مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، وهي تمسك بصورة أمين الحزب الراحل حسن نصر الله، مردّدة: “هذا وطننا، واللي مش عاجبه يهاجر!”، كان منتخب لبنان للناشئات في كرة القدم يعود إلى أرض الوطن، مكللًا بالفخر والانتصار الحقيقي، وسط استقبال شعبي يفيض حبًا واعتزازًا. هؤلاء الفتيات، اللواتي رفعن اسم لبنان عاليًا في بطولة غرب آسيا، لم يحتجن إلى شعارات جوفاء أو استعراضات بالقوة، بل حملن راية الوطن بجهدهن، وأثبتن أن الانتصار الحقيقي لا يُقاس بالصراخ أو بالولاء الأعمى، بل بالإنجازات التي تعكس صورة لبنان الذي يستحق الحياة.
بين من يغلق الطرقات ويرفع أعلام دول أخرى، ومن يرفع راية لبنان عاليًا في المحافل الدولية، تتجلى المفارقة الصارخة بين من يعيش في أوهام القوة، ومن يصنع مجد الوطن بصمتٍ وكبرياء.
وبينما كان حزب الله يحشد مناصريه للتظاهر في الشارع، متوهمًا أنه قادر على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، جاءت صفعة أخرى من داخل المؤسسات الدستورية اللبنانية. فالحكومة الجديدة برئاسة نواف سلام، وبدعم من رئيس الجمهورية جوزيف عون، أسقطت من بيانها الوزاري كلمة “المقاومة”، الذي ظل لعقود مظلة شرعية يتستر خلفها الحزب ليبرر احتكاره لقرار الحرب والسلم في لبنان.
لطالما كان إدراج هذا البند في البيانات الوزارية للحكومات السابقة يعني تكريس سلطة حزب الله على الدولة، وتبرير وجود سلاحه خارج إطار الشرعية اللبنانية. لكن الحكومة الحالية قلبت المعادلة، مؤكدة أن الدفاع عن لبنان هو مسؤولية الدولة وحدها، وأن احتكار حمل السلاح وبسط الأمن يجب أن يكون حصريًا بيد الجيش اللبناني. هذه الخطوة ليست مجرد تعديل لغوي في بيان وزاري، بل تحول جوهري يعكس تبدّل ميزان القوى داخل لبنان.
بدا واضحًا أن الحكومة تتجه نحو تعزيز سيادة الدولة وفق أسس واضحة، حيث شددت على التزامها بتنفيذ القرار 1701، وإرساء سياسة دفاعية متكاملة يكون الجيش اللبناني عمودها الفقري، بدلًا من ترك الأمن القومي رهينة لأجندات إقليمية. كما رفض البيان الوزاري توطين اللاجئين الفلسطينيين، وأكد على ضرورة ترسيخ استقلال القضاء وإصلاح مؤسسات الدولة بما يضمن استعادة ثقة اللبنانيين.
إزاء هذا التحول، لم يكن أمام حزب الله سوى محاولة إثارة الشارع، مستخدمًا أدواته التقليدية في الضغط والتهويل. لكن هذه التحركات لم تفلح في حجب الحقيقة الواضحة: لبنان يسير باتجاه جديد، حيث الدولة هي صاحبة القرار، لا ميليشيا مسلحة تتلقى أوامرها من الخارج.
في هذه الأثناء، وبينما كان الحزب مشغولًا بحشد أنصاره لقطع الطرقات وحرق الأعلام، كانت حكومة نواف سلام تضع الأسس لخطة إصلاح اقتصادي تهدف إلى إنقاذ ما تبقى من الاقتصاد المنهار، مع إعطاء الأولوية للحفاظ على ودائع اللبنانيين وإصلاح قطاع الكهرباء. هذه المقاربة العملية تتناقض تمامًا مع سياسة حزب الله، التي أغرقت البلاد في العزلة والعقوبات وأفقرت الشعب لصالح مغامرات لا تمت بصلة إلى مصلحة لبنان.
الفرق صارخ بين نهجين: نهج يرفع علم إيران في شوارع بيروت ويغرق في أوهام القوة، ونهج آخر يسعى لاستعادة الدولة وفرض سيادتها وبناء مستقبل يستحقه اللبنانيون. بين هذين الخيارين، بات واضحًا أي طريق يجب أن يسلكه لبنان.