حزب الله تحذير تاريخي للأجيال

حزب الله تحذير تاريخي للأجيال

التراجيديا اللبنانية الكبرى

في أروقة التاريخ مستقبلًا، سيُشار إلى مطلع القرن الحادي والعشرين في لبنان بوصفه عصر بلاد خطفتها مجموعة عقائديّة ووضعتها تحت رحمة نظام عقائديّ. سيتوقف المؤرخون طويلاً أمام ظاهرة تنظيمٍ استطاع تطويع الجغرافيا والهوية لخدمة أيديولوجيا “الانتحار الجماعي”. لن يُنظر إلى حزب الله كحركة تحرر، بل كحالة دراسية في “تدمير الذات المنظم”، حيث تحولت الدولة اللبنانية من “منارة الشرق” إلى “رهينة جغرافية” في يد جماعة أدمنت ثقافة الثأر الأبدي على حساب منطق الدولة والرفاه.

سيكولوجيا “عقيدة الموت”: غسيل الأدمغة الممنهج

سيكشف التاريخ أن القوة الحقيقية للتنظيم لم تكن في ترسانته، بل في قدرته الفائقة على “تسطيح الوعي الجماعي”. من خلال استراتيجيات متنوّعة لغسل الأدمغة. وتمّ استبدال الطموح الإنساني في النمو والازدهار بفكرة “القداسة في الشهادة”. سيحلل المؤرخون خطابات الحزب بوصفها نماذج للغة التحريضية التي تقتات على “المظلومية المصطنعة”، محولةً جيلاً كاملاً من الشباب إلى وقود لمعارك عبثية، حيث يُحتفى بالموت كإنجاز وحيد، بينما تذبل الحياة خلفهم.

الكارتل العابر للقارات

سيُوثق المؤرخون كيف تحول التنظيم من حاملٍ لشعارات “المقاومة” إلى “كارتل هجين” عابر للقارات، حيث أدار شبكة لإنتاج وتصدير السموم وتبييض الأموال عبر القارات، محولاً الحدود اللبنانية إلى ممرات آمنة لتجارة الموت خارج رقابة النظام المالي العالمي. ولم يكن هذا النشاط مجرد وسيلة تمويل، بل كان استراتيجية ممنهجة لإضعاف مؤسسات الرقابة وتفكيك هيبة الدولة؛ فقد تعمد الحزب رعاية طبقة من الحلفاء الفاسدين وترئيسهم للمرافق الحيوية من مرافئ ومطارات وجمارك، ليضمن توفير غطاء شرعي لعمليات التهريب والتهرب الضريبي الواسع التي استنزفت خزينة الدولة.

وهذا التحالف العضوي مع الفساد واستخدام قوة السلاح لحماية المسارات غير الشرعية أدى بالضرورة إلى تحلل مفهوم “السيادة الوطنية”، حيث تم تجويع الشعب وإيصاله إلى “اقتصاد الكفاف” ليبقى مرتهناً لفتات الدويلة، في حين كانت إيرادات الظل تتدفق لبناء إمبراطورية مالية موازية قامت على أنقاض الدولة المنهوبة وعزلتها عن محيطها والعالم.

فن التضليل وصناعة الأعداء

سيُذكَر الحزب ببراعته في “قلب الحقائق”. استخدم آلة إعلامية ضخمة لترويج انتصارات وهمية من رحم هزائم استراتيجية. سيُشار إلى سياسة الاغتيالات الممنهجة التي طاولت العقول السياسية والثقافية في لبنان كأداة لترهيب الجميع. كان الهدف واضحاً: استئصال أي فكر نقدي يعترض طريق “المشروع الشمولي”. هذا النهج أدى إلى تحويل لبنان من جسر ثقافي بين الشرق والغرب إلى سجن معتم تسكنه الكراهية واللغة الطائفية المبتذلة.

استدراج الخراب: منطق “اللا استسلام”

سيقف التاريخ مذهولاً أمام منطق “المقامرة بالأرض”. سيُكتب عن تلك اللحظات التي استدرج فيها الحزب أعداءه إلى صراعات دموية، ليس من أجل النصر – الذي أثبتت الأيام استحالته وفق موازين القوى – بل بسبب تبعيّة عمياء لدولة خارجيّة تحكمها مجموعة دينيّة متطرّفة منعزلة عن العالم. وإنّ رفض الاستسلام رغم فناء البشر والحجر لم يكن بطولة، بل كان “أنانية أيديولوجية” مفرطة؛ حيث فضلت القيادة رؤية شعبها يغرق في العوز والدمار على أن تعترف بفشل مشروعها المرتبط بقوى إقليمية لم تبالِ بمصير أذرعها عندما انقضّ عليها العدو.

دروس من تجارب استثنائية

بعد عقود، سيُدرَّس إرث حزب الله كتحذير للأجيال المقبلة من مخاطر هذه الجماعات المتطرّفة، وخاصّةً في عصرٍ باتت الأمم تتطلّع إلى الفضاء، لا إلى جماعات ذات أفكارٍ غريبة تعود إلى قرون مضت. فيتطلع إنسان اليوم إلى الرفاهية والسلام وتقارب الشعوب واستكشاف التكنولوجيا الجديدة وصنعها.

ستكون الخلاصة التاريخية مريرة: جماعة عاشت على وهم القوة، واقتاتت من كرامة شعبها، وانتهت بترك إرث من الركام والديون والشرخ الاجتماعي الذي سيحتاج عقودًا ليلتئم.