حرب وجودية في سبيل الرغيف

حرب وجودية في سبيل الرغيف

في حضرة الجوع، تسقط كل الزينة التي راكمها الإنسان على ذاته عبر القرون: يسقط الفهم، وتسقط الأخلاق، ويسقط الإيمان بالشكل الذي صاغه المترَفون. هناك، حيث يُصبح الرغيف قضية وجود، لا رفاهية، تخرج الحقيقة عارية من تحت رماد الفلسفة والحضارة، لتصرخ: نحن لسنا كما نظنّ، ولا كما كتبنا عن أنفسنا.

هذا ليس مقالاً عن الجوع فحسب، بل عن التحوّلات البطيئة والمفزعة التي يُحدثها الجوع في النفوس، في العلاقات، في شكل الحياة نفسها. عن البيوت التي لم يعُد فيها ما يُوزَّع إلا الذلّ، وعن أجساد النحيلين التي باتت تعلن بصمتها: لقد هُزمنا.

يقول جاري: لو متُّ لكنتُ أقرع كأس الخمر في الجنان مع الرسول، خير لي من مأساتي في هذه الدنيا، فأنا أجلس خروفاً هادئاً في البيت أنتظر تقسيم أمي لأرغفة الخبز المتبقية القليلة.

يقول صاحبي: بعد يومين من “لا شيء” ومن استحلاب ريقنا المر، أكل كل فرد في العائلة حمصاً منقوعاً في الماء بحجم كأس صغير كحصة للفرد، وهذا حسبنا من القوت ليومين.

وصاحب آخر قرر الجلوس في بيته، وامتنع عن لقائنا الأسبوعي، فما عادت قدماه تسعفاه، وما عاد قوامه يعتدل، وقد ارتسم النحيل رسماً واضحاً على جسده.

وخالي أصيب في ظهره، وكنّا قديماً نشتري للمصاب دجاجة، وبطاً، ولحماً، والآن من يصاب يستحق رغيف الخبز بثمنه الباهظ، رغيفاً واحداً حتى يقيم صلبه.

المجاعة حقيقة، وهي تلغي كل فسلفات التربية التي أوجدها العالم القديم، والعالم المُحطِّم للعصور الوسطى، وتعرّي العالم الحضري أبشع تعرية على خط التاريخ البشري.

تُعلِّمُنا المجاعةُ إيثاراً كثيراً، لكنها تُعلِّمُنا أكثرَ أنَّ المصارعةَ تُقامُ في سبيلِ الرغيفِ، ويستعدُّ الفردُ لمنازعةِ الفردِ.

وتأخذنا المجاعة في منحى خطير على أرواحنا، كما هو خطير بالطبع على أجسادنا.