حكومات الإنقاذ والتغيير بحاجة إلى إنقاذ وتغيير

حكومات الإنقاذ والتغيير بحاجة إلى إنقاذ وتغيير

منذ إنشاء دولة لبنان، تهاطلت عليها حكومات حملت شعارات الإنقاذ والتغيير، وخاصة في العقدين الأخيرين، حيث غرق الإنقاذ في دوامة العراقيل ولم يستطع النجاة. أما التغيير فأصبح مرادفًا كلاسيكيًا وتقليديًا لأي حكومة تتشكل خلفًا للأخرى التي سبقتها. فمن هنا، يطرح اللبنانيون السؤال: لماذا لم تطبق أي حكومة التغيير والإنقاذ المنشودين؟ وهل بإمكان أي حكومة تغيير وإنقاذ أن تقدم الإصلاح والسلام المرجوين؟

أولًا، على اللبنانيين فهم الحالة اللبنانية بشكل معمّق للإجابة على هذين السؤالين. فعلى المرء أن يعرف أن لبنان، هذا البلد الصغير، مرتبط بدول الجوار نتيجة صغر حجمه، أو هذه كانت الصورة التي جسّدها السياسيون طوال عقود من ممارسة السياسة اللبنانية، حيث ربطوا التجارب اللبنانية بأحداث وتغيرات البلاد المجاورة والقوى السياسية المهيمنة على الساحة الإقليمية والدولية.

وعلى المستوى الثاني، يجب ألا ننسى أن لبنان بهوية ذات طابع تعددي، وأن هذه التعددية ركيزتها التوافق بين مكونات البلد، أي الأحزاب التي تمثل هذه المكونات، وبالتالي تصبح عملية صنع القرار والسير به أمرًا مستحيلًا دون توافق.

إجابة على السؤال الأول، فشل الحكومات السابقة في الركيزة الأولى هو نتيجة تشكيل حكومات على الطراز السائد على مدى عشرين عامًا وأكثر، لكن مع القليل من التبرّج وبعض الإخراج الهوليودي، مع قليل من المشاهد المتجددة وغير التقليدية لبعض الوزراء. نجحت الحكومات الأخيرة في التمويه خلف وجوه التغيير، لكن باطنها ظل تقليديًا.

فبالرغم من أن المهمة الأولى لهذه الحكومات كانت الإنقاذ كعنوان عريض، إلا أن الواقع هو أن هذه الحكومات انشغلت بالتستر على ممارسات أفرادها المشبوهة وما يمثلون من أحزاب. لكن لا يمكن تعميم هذه الممارسات على جميع الوزراء، إذ خلال العقدين الماضيين، خصوصًا قبل استقالة حكومة سعد الحريري الأخيرة عام 2019، كان لعدد من الوزراء ممارسات وسياسات إيجابية، سواء من حيث التعيين حسب الكفاءة والشفافية، أو من حيث تحسين الأداء الداخلي لوزاراتهم، مما جعلها من أفضل الوزارات وفق تصنيف اللبنانيين.

أما فيما يخص السؤال الثاني، فإنه انطلاقًا من الفكرة السابقة، لا مكان لأي سلام وإصلاح دون شروط أساسية، أولها الإنصاف. فعلى الرغم من عودة الثنائي الشيعي إلى الحكومة بخمسة مقاعد بعد كل الدمار الذي تكبدوه، فعلى الحكومة إنصاف اللبنانيين مرة واحدة، بمعرفة الانتقاء بين المسارين: مسار الدمار والانغلاق على محور الموت والخراب والممنوعات، حيث تعلو أصوات كواتم المسدسات والصواريخ على إرادة الشعب، أو مسار الازدهار والاستقرار والانفتاح على الحضن العربي والدولي، حيث تعلو أصوات مراكز السياحة على أصوات طبول الموت وصنوج الدمار.

ومن هنا، فإن للحكومة، بشخص رئيسها، حرية الاختيار، ولكن بالمقابل، فعلى الرئيس توقع المحاسبة؛ إما يحمل على الأكتاف، وإما يصنّف هو والحكومة كسائر الحكومات الإنقاذية التقليدية.

ركيزة أخرى على الحكومة الحالية اتباعها هي تقليل السياسة وتكثيف السياسات، حيث أن الحكومات السابقة افتقرت لسياسات إصلاحية فعلية وجذرية في معظم وزاراتها، مما جعلها تنتهي في دوامة الحسابات الضيقة للسياسيين. فإما يتم الإجماع عليها نتيجة المحاصصة من هنا، وإما تبطل نتيجة النكد السياسي من هناك. ومن هذا المنطلق، على الأحزاب فصل العراك وشد الحبال بين الكتل النيابية داخل المجلس عن سير عمل الحكومة، تاركين المجال لإقامة السياسات المطلوبة التي تنقلنا من الواقع الأليم والمعيش إلى مرحلة جديدة.

أما اليوم، ومع التغيرات الإقليمية والعالمية التي تشهدها الساحة الدولية، ومع الضغط الخارجي والداخلي لتغيير المشهد السائد على أكثر من ثلاثة عقود على الساحة اللبنانية، والخروج من هوة الركود والأزمات نحو الإصلاح وإعادة إعمار الدولة بأساسات صلبة ومتينة، فهل سيستطيع نواف سلام والحكومة الجديدة التماشي مع هذا التيار الدولي التغييري، أم ستنجح الأحزاب التقليدية في إحكام القبضة على السياسات الإنقاذية المطلوبة وتظل عالقة في أوصال السياسة اللبنانية التقليدية؟

المواضيع