الرقص على إيقاع الشرق الأوسط

الرقص على إيقاع الشرق الأوسط

أعلن ولي العهد الأردني عن خطة لإعادة تفعيل خدمة العلم الإلزامية، في خطوة لا يمكن فصلها عن مجمل التهديدات التي تتزاحم على حدود المملكة. فالفراغ الأمني الذي أفرزته تطورات السويداء، إلى جانب الشروط الإسرائيلية التي قيّدت موازين القوة في الجنوب السوري، دفع عمّان إلى إعادة تقييم بنيتها الدفاعية، إدراكاً بأن الشمال بات ساحة نزاعات مفتوحة تتحكم فيها جماعات مسلحة خارج القانون.

إضافة الى إرث الجنوب السوري الثقيل على الأردن؛ فمنذ أكثر من عقد ونصف استُخدمت حدوده بوصفها ممراً رئيسياً لشبكات التهريب التي غذّاها نظام الأسد، وعلى رأسها تجارة المخدرات التي أنهكت المنظومة الأمنية.  ما جعل القيادة ترى في تعبئة القوى البشرية خطوة ضرورية لمواجهة استحقاقات مرحلة مرشحة لمزيد من التصعيد شمالاً وشرقاً.

إعلان الأردن عن إعادة تفعيل الخدمة الإلزامية لا ينفصل عن السياق الأوسع. لبنان على موعد مع  منطقة اقتصادية مشروطة بتجريد حزب الله من سلاحه، ما يعني أن آخر خط للمحور الإيراني على تماس مباشر مع إسرائيل قد يصبح مهدداً بالسقوط. فإذا ما نجحت بيروت في تحييد سلاح الحزب، يكون قد سقط آخر معقل مباشر للمحور الإيراني على تماس مع إسرائيل، بعد انهيار نظام الأسد في دمشق. وبذلك تتنتهي المواجهة بين طهران وتل أبيب على  مسرحها السوري–اللبناني .

من هنا سيبدأ البحث عن ميدان اخر . ما يرتبط بحقيقة أن سحب وتفكيك أصول أميركية من قواعد استراتيجية مثل قاعدة «عين الأسد» ومحيط بغداد تم خلال الشهور الماضية بالفعل، بحسب وكالة رويترز التي نقلت عن واشنطن وبغداد اتفاقاً ينص على إنهاء مهمة التحالف العسكري بحلول أيلول 2025، مما قد يفسح المجال للمد الإيراني العسكري، خصوصاً وأن الأرضية مجهزة والتوجه الشيعي يضفي ميزة أخرى ترجح استخدام العراق وخصوصاً جهة جنوب محافظة الانبار كمنصة تشبه ما بنته ايران في الجنوب اللبناني (منصة اطلاق مسيرات، صواريخ، مناورات مليشاوية)، وهذا ما يُقرأ في عمّان كإشارة إلى فراغ احتواء مؤقت يحتاج إلى استجابة استباقية.

هكذا تبدو “المواجهة الوجودية المزعومة” بين إيران وإسرائيل أقرب إلى عرض متواصل، يبدّل ديكوراته الجغرافية لكنه يظل محكوماً بالسيناريو ذاته: استنزاف المنطقة وإبقاء ساحاتها مفتوحة أمام فصول لا تنتهي.
 
رجّح محللون أن القلق الأردني يرتبط بتطورات الصراع في غزة وإمكان انتقاله إلى الضفة الغربية، غير أن هذا الاحتمال يتراجع أمام واقع التزامات عمّان باتفاقية وادي عربة وما شهدته من ازدهار في الأعوام الأخيرة.

على النقيض، اختارت تركيا مساراً مختلفاً؛ إذ كشفت صحيفة “حرييت” عن مشروع لإقامة ملاجئ في جميع ولايات البلاد الـ81. قد يبدو ذلك في ظاهره موقفاً متصلباً من أنقرة إزاء القضية الفلسطينية، لكنه في جوهره انعكاس لتقدير أمني أوسع. السلوك العسكري لحكومة نتنياهو يشي برسائل أبعد من حدود غزة، يقوم على إذلال الخصوم والحلفاء معاً، واستخدام الصواريخ الثقيلة كخطاب سياسي. فبعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الإمارات وباكو، وما حملته من تفاهمات متصلة بإسرائيل، جاء قصف مبنى الأركان في دمشق في اليوم التالي مباشرة، في إشارة صريحة إلى أن التفاوض لا يوقف الضربات. تكرار الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا لا ينفصل عن هذه المعادلة، بل يرجَّح أن يحمل إشارات مباشرة إلى أنقرة، خاصة مع دخولها في مسار تعاون دفاعي مع دمشق يشمل التدريب والتسليح، وهو ما تعتبره تل أبيب تأسيساً لتحالف عسكري جديد يستوجب كبحه بالرسائل النارية.

إسرائيل تشكّل المحرّك المركزي لإيقاع التحولات الإقليمية. فهي ترسم شروط المشهد العسكري في الجنوب السوري وتعيد هندسة موازين الردع في المشرق.
 حكومة نتنياهو تعتمد نهج “الرسائل الصاروخية” كأداة سياسية موجهة إلى إيران وحزب الله، وفي الوقت نفسه تضغط على الأردن وتركيا لإبقائهما ضمن هامش محسوب.

هذه السياسة تضع المنطقة أمام معادلة واضحة: الاستقرار مرهون بالإيقاع الذي تحدده تل أبيب، والتحالفات تمرّ عبر اختبار القوة. من خلال هذا النهج تحافظ إسرائيل على موقعها كضابط إيقاع استراتيجي، قادر على استخدام القوة في دمشق وبيروت وأنقرة، مع إبقاء الأردن ضمن سقف اتفاقية وادي عربة. بذلك تتحول تل أبيب إلى المخرج الفعلي للمسرح الشرق–متوسطي، وتوزَّع بقية الأطراف أدواراً جانبية داخل مشهد تقوده هي بالكامل.