مراحل احتكار حزب الله لدولة فاشلة

مراحل احتكار حزب الله لدولة فاشلة

الأزمة السياسية هي حالة من الاضطراب والتوتر الشديد الذي يهدد توازن النظام السياسي القائم، وتتطلب استجابة عاجلة لمنع تدهور الأمور أو فشل الحكومة في أداء مهامها. تتميز بأنها نقطة تحول حاسمة تتطلب قرارات سريعة تحت ضغط الوقت، مع وجود مخاطر كبيرة وعدم وضوح بشأن النتائج والحلول المتاحة.

إذا أردنا مقاربة هذا التعريف على واقع لبنان، فسنشهد الكثير من الأزمات السياسية التي لم تُحَلّ، ولن نرى أي قرار سريع لاحتواء الموقف، ما أدّى إلى فشل حكومي في كلّ مرة يشهد فيها لبنان أزمة.

أبرز مثال على ذلك هو محاولة انتخاب أي رئيس للجمهورية، والتي قد تمتدّ غالباً إلى سنتين وربما أكثر، فنرى حكومة تصريف أعمال تقوم بالحدّ الأدنى من مهامها، هذا إن كانت أصلًا شرعية. فتتعطّل المؤسسات، ونفقد الثقة الدولية، ولا يستطيع مجلس النواب القيام بأعمال التشريع وفقًا للدستور (إلّا أنّ المجلس كان يشرّع في حين كان يجب أن يكون هيئةً انتخابية لا تشريعية، ضاربًا بالدستور عرض الحائط) ومن أراد تطبيق الدستور وعدم تجاوزه كان أوّل الحاضرين للتشريع.

وإذا أردنا طرح سؤال المقال على حزب الله، فكيف تمكّن من احتكار قرار الحرب والسلم؟

أولاً: الحرب الأهلية

شهد لبنان حربًا أهلية دامت خمسة عشر عامًا، إذ كان لكلّ طرف ميليشياه وداعمه الخارجي الذي مكّنه من فرض قوّته على الآخر، ففقدت الدولة هيبتها وأصبحت كيانًا شكليًا. فعند غياب الدولة يغيب الأمن، ومع غياب الأمن تتفلّت الأوضاع، وتسعى كلّ ميليشيا لحماية مصالحها ومناطق نفوذها.

وفي هذا السياق، برز حزب الله. وعلى الرغم من صعوبة تحديد نقطة نشأته بدقّة، إلا أن ظهوره يُرجَع إلى مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، حين شارك عدد من القادة الشيعة في المنطقة في عمليات عسكرية ضدّ إسرائيل. وظهرت خلافات بينهم وبين حركة أمل التي كانت تهيمن على التمثيل الشيعي في تلك المرحلة.

وانشقّت مجموعة عن حركة أمل، وأسّست تنظيمًا جديدًا حمل اسم “الأمل الإسلامية”، وحصل على دعم عسكري وتنظيمي كبير من عناصر الحرس الثوري الإيراني. ولاحقًا، تبنّى هذا التنظيم اسم “حزب الله”.
واستطاع حزب الله فرض سيطرته على الجنوب، وخصوصًا بعد اتفاق الطائف الذي نصّ على تسليم جميع الميليشيات أسلحتها، فيما استُثني حزب الله من ذلك نتيجة الوجود القوي للجيش السوري التابع للنظام السابق في لبنان، إضافة إلى الدعم غير المحدود من إيران بحجّة “وجود الاحتلال الإسرائيلي”.

وتمكّن الحزب من التوغّل في مؤسسات الدولة التي كانت منهكة بفعل الحرب الأهلية وتسعى لإعادة بناء نفسها من جديد، إلا أنّ عملية إعادة البناء كانت بطيئة، في حين كان حزب الله يتطوّر ويبني قدراته بوتيرة أسرع من الدولة. وقد سمح له ذلك بالتجنيد، واستغلال الأزمة السياسية الداخلية التي كانت تعاني منها الدولة خلال مرحلة انتقالية هشّة.
وهكذا كان احتكار الأول للحزب، لسلطة قرار الحرب وسالم. إذ بدأ يتصرّف باعتباره حامي الجنوب، وهو المعني بتحرير فلسطين من الوجود الإسرائيلي.

ثانياً: الأحزاب الطائفية

يقتصر دور الأحزاب في الدول الديمقراطية على تمثيل مصالح المواطنين وضمان تمثيل عادل في النظام السياسي. أمّا في لبنان، فالعكس هو ما حدث. فقد شهدنا عبر التاريخ أنّ الأحزاب التقليدية فرضت على المواطنين منطق حماية الطائفة، من دون أن تقدّم أي برامج اقتصادية أو اجتماعية تفيد المواطن أو الدولة، ما أدّى إلى تقاسمٍ وتحاصصٍ فيما بينها وإهمال مصلحة الوطن والمواطنين.

وبسبب هذا النهج، نرى عدم توافق القوى السياسية في الكثير من الملفات، مثل انتخاب رئيس للجمهورية، والسياسات الخارجية، والسياسات الداخلية. وأدّى ذلك إلى تفاقم الزبائنية، واعتماد المواطن على زعيم الطائفة بدلًا من الدولة.

وفي هذا السياق، استغلّ حزب الله قوته المستمدّة من الحرب الأهلية، والاستثناء الذي حصل عليه، كونه مضبوطًا ومدعومًا من إيران، فأنشأ ما يشبه دولته الخاصة في الجنوب: مستشفيات، وبنوك، ومدارس، وفرص عمل. وقد جاء ذلك في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أهملتها الأحزاب التقليدية، والتي استفادت منها لتعزيز زعاماتها وزبائنيتها، ما أتاح لحزب الله استقطاب المزيد من المواطنين وتجنيدهم، فازدادت قوته العسكرية وتوسّع التأييد الشعبي له.

ومع الوقت، اختلّ توازن القوى بينه وبين الدولة لصالحه؛ فهو من قرّر حرب العام 2006، وهو من نفّذ الاجتياح العسكري لبيروت العام 2008 فارضًا هيبته على الدولة، وهو من اتّخذ قرار حرب الإسناد العام 2023.
في الختام، رأينا كيف استفاد حزب الله من الأزمات السياسية الداخلية ليتمكّن من بناء نفسه وفرض قوّته وهيبته على الدولة. كما أنّ العوامل الجيوبوليتيكية كانت لصالحه، فالوجود السوري والإيراني في لبنان دعماه بشكل مباشر. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل كان يمكن للبنان تجاوز هذه الأزمة؟ وكيف؟

نرى اليوم أنّ الأحزاب تطالب منذ زمن بنزع سلاح حزب الله، وازدادت حدّة هذه المطالبات بعد سقوط نظام الأسد وبعد حرب الإسناد التي خسر خلالها الحزب جزءً كبيراً من قوّته. إلا أنّ الأحزاب التقليدية نفسها كانت من أبرز المساهمين في تقوية حزب الله، حتى ولو كانت من أشدّ المطالبين بنزع سلاحه.

فعندما نرى أنّ هذه الأحزاب لا تزال تتبنّى خطابًا طائفيًا، وتمارس في مناطقها أساليب شبيهة بما كانت تمارسه خلال الحرب الأهلية، لكن بغطاء سياسي بدلًا من السلاح، وحين تستمر في التحاصص على مقاعد الدولة وكأننا في زمن الإقطاع، من دون أي برامج حقيقية تفيد الدولة والمواطنين، فإنها بذلك تكرّس الانقسام وتعمّق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهنا يجد حزب الله فرصة لتعزيز موقعه، فهم شركاء في المسؤولية؛ وهم من تسبّبوا بتهميش الدولة وإضعافها أمامه، حتى ولو كان هو الطرف المسلّح والمهيمن.

فلو كانت الأحزاب جادّة في بناء الدولة، لسعت لدعمها سياسيًا واقتصاديًا عبر برامج حقيقية تخدم المواطنين. وعندها كان يمكن للمواطن أن يتخلّى عن الزبائنية والخطاب العاطفي والطائفي، وأن يتوجّه نحو دولة قوية تكفل حقوقه، بدلًا من اللجوء إلى زعيمه الطائفي.

وفي النهاية، طالما أنّ مثل هذه الأحزاب لا تهتم إلا بمصالحها الضيّقة، ستبقى الدولة هشّة. وحتى لو تخلّى حزب الله عن سلاحه، فقد يظهر حزب الله جديد، وربما أكثر تطرّفًا منه.