بيان تحذيري إلى وزير الإعلام

بيان تحذيري إلى وزير الإعلام

“بيان تحذيري إلى اللبنانيين” — بهذه العبارة افتتح وزير الإعلام البيان “التحذيري” الذي وجّهه إلى اللبنانيين، لا سيما المؤثّرين والإعلاميين، محذّراً إياهم من أي تواصل وتفاعل “مباشر أو غير مباشر” مع وسائل الإعلام الإسرائيلية أو المتحدثين باسم جيش الاحتلال.

للوهلة الأولى، قد يخيَّل للقارئ أنّ البيان صادر عن جيش العدو، لا عن وزارة في حكومة لبنانية.
فعبارات التحذير والتنبيه والتهديد باتت مرتبطة في وعي الناس ببيانات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، لا بوزارة الإعلام، التي كان من المفترض أن تُلغى من القاموس الحكومي منذ زمن بعيد.

التحذير الفضفاض الصادر عن الوزير مرقص يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول مدى اتساع مفهوم “التفاعل “. فهل من يتابع حسابات أفيخاي أدرعي مثلاً لمعرفة موعد أو مكان الضربات الإسرائيلية المحتملة (على أرض لبنان) يُعتبر “متواصلاً”؟


وهل من يذكر أسماء شخصيات إسرائيلية باتت جزءًا من حديث الناس اليومي في ظل الحرب، يُعدّ متواصلاً “مباشرةً أو غير مباشرة” مع العدو؟
الخلل في مثل هذه البيانات لا يكمن في النوايا — التي قد تكون حسنة وتهدف إلى تجنيب المواطنين مشاكل قانونية — بل في الأسلوب والطريقة التي تُصاغ بها، وكأنها مستلّة من منشورات “الباب العالي” في تعاطيها مع الإعلام، وكأن الوزارة تفهم في وسائل التواصل وأساليب التعبير أكثر من الإعلاميين أنفسهم.

وما يزيد خطورة هذه المقاربة أنها تأتي في لحظة باتت فيها منصات الإعلام والتواصل فضاءً رئيسياً لرصد الحروب وتغطية النزاعات في الزمن الحقيقي. فالصحافي أو المواطن الذي يحاول أن يقرأ “العدو” ليفهم خططه، أو يحلّل خطابه الإعلامي لرصد نوايا التصعيد والتهدئة، لا يمارس فعلاً تطبيعياً ولا يشترك في ماكينة الدعاية الإسرائيلية، بل يؤدي وظيفة أساسية من وظائف الوعي الجمعي في زمن الحروب المعقدة.

المعضلة الحقيقية لا تكمن في حجم “التفاعل” مع العدو بل في غياب مشروع الدولة الواضح والمحدد لتعريف العلاقة مع هذا العدو أصلاً. وفي ظل هذا الفراغ، يصبح كل تعبير قابلًا لأن يُستثمر ضد الأفراد وفق المزاج السياسي والأمني السائد. وهنا يكمن الخطر الأكبر: سلطة تفتقر إلى تصور واضح للحريات، لكنها تملك ما يكفي من الغموض القانوني لاستدعاء الناس إلى غرف التحقيق كلما احتاجت إلى “عبرة” جديدة.

الأجدر بوزير الإعلام أن ينصرف إلى صياغة قانون إعلام حديث، يرفع سقف الحريات، ويخفّف القيود عن الصحافيين والإعلاميين، ويدفع باتجاه مساءلة حقيقية طال غيابها،

لا أن يبحث عن مسوّغات فضفاضة تتيح لأي جهة منزعجة أن تجرّ صحافيًا إلى التحقيق العسكري، أو تمنعه من دخول لبنان، بحجّة “تفاعل غير مباشر مع العدو”… أيًّا كان معنى ذلك.