حزب الله وقبّة البرلمان كجبهة بديلة

حزب الله وقبّة البرلمان كجبهة بديلة

العنف السياسي في لبنان ليس ظاهرة طارئة، بل ممارسة متجذّرة في الحياة العامة، غير أنّه بات أكثر وضوحاً وتنظيماً مع صعود محور الممانعة، إذ يُدار المشهد على إيقاعٍ مزدوج: هدوء محسوب في الجنوب تحت النار، وتصعيد مفتوح داخل المؤسسات الدستورية، وخصوصاً تحت قبّة مجلس النواب.
المفارقة لم تعد خافية. فبينما يتلقّى الجنوب القصف الإسرائيلي بصمتٍ سياسي مدروس، تتحوّل جلسات البرلمان إلى ساحات اشتباك لفظي، تُستخدم فيها المقاطعة، التخوين، ورفع الصوت كسلاحٍ بديل عن النقاش.

مشاهد تتكرّر بلا انقطاع، حتى باتت مادةً “ترفيهية” في الإعلام، تُعاد أرشفتها وبثّها كفواصل ساخرة، فيما هي في الواقع دليل إضافي على الانهيار الكامل لمفهوم العمل البرلماني.

المواجهة الأخيرة بين النائب فراس حمدان وعدد من نوّاب حزب الله، إثر حديثه عن الدور الإيراني في لبنان، لم تكن استثناءً. ما حصل كان نسخة جديدة عن سيناريو محفوظ: نائب يحاول طرح موقف سياسي واضح، فيُقاطع فوراً، ويُتّهم بالشعبوية أو بخدمة أجندات خارجية، فيما تُستحضر “قدسية” الحليف الإيراني كخط أحمر لا يجوز الاقتراب منه. خروج نوّاب من القاعة عند انتقاد النائبة بولا يعقوبيان للحزب لم يكن سوى رسالة إضافية بأن النقاش مسموح فقط ضمن سقفٍ محدّد سلفاً.

كون الجلسة منقولة على الهواء زاد من حدّة التوتّر، إذ تتحوّل المواقف إلى استعراض موجّه للرأي العام، لا إلى حوار تشريعي. وهنا تحديداً يتكرّس نمط قديم جديد اعتمده حزب الله وحلفاؤه منذ سنوات: استخدام البرلمان كساحة ضغط، لا كمساحة نقاش. من حرب تموز 2006، إلى أحداث 7 أيار 2008، وصولاً إلى جلسات تُعقد اليوم تحت القصف، لم يتغيّر الأسلوب، بل تغيّر المسرح فقط.

صحيح أن مجلس النواب عرف تاريخياً سجالات حادّة، خصوصاً في سبعينيات القرن الماضي، لكن الفارق اليوم يكمن في طبيعة الهيمنة. مع الوصاية السورية سابقاً، ثم النفوذ الإيراني لاحقاً، اكتسب العنف السياسي داخل المجلس بُعداً مختلفاً: لم يعد تعبيراً عن انقسام سياسي، بل أداة ضبط ومنع.

من هنا يمكن العودة إلى لحظة مفصلية في العام 2008، حين دشّن النائب علي عمّار مرحلة جديدة من العنف اللفظي تحت شعار “الدفاع عن المقاومة”. عبارة “طهّر نيعك” لم تكن زلّة لسان، بل إعلاناً واضحاً عن معادلة جديدة: من ينتقد السلاح أو خياراته يُعتبر غير مؤهّل أخلاقياً للكلام.

يومها، استُخدم تفسير انتقائي للنظام الداخلي للمجلس، برعاية نبيه برّي، لمحاولة إسكات أي نقاش يتناول أحداث 7 أيار أو سلاح الحزب، قبل أن يتبيّن أن النظام لا يمنع السياسة، بل يمنع الشتائم، وهي مفارقة أتقن نوّاب الممانعة تجاوزها بمهارة.

منذ ذلك التاريخ، توالت المشاهد. سجالات بين جميل السيّد وسعد الحريري، اشتباكات لفظية مع أحمد فتفت، خلافات داخل المعسكر الواحد بين حركة أمل وحزب الله، وصولاً إلى فوضى الجلسات الأخيرة المرتبطة بالموازنة وانتخاب رئيس الجمهورية. في كل مرة، يُستخدم النظام الداخلي، أو جدول الأعمال، أو “حساسية المرحلة” كذرائع لكتم الأصوات المخالفة.

في العام 2024، أظهرت المواجهة بين نبيه برّي وملحم خلف كيف تتحوّل صلاحيات رئاسة المجلس إلى أداة سياسية لمنع أي نقاش يتجاوز المرسوم له. وفي السياق نفسه، شكّل الهجوم الذي شنّه النائب سليم عون على بولا يعقوبيان مثالاً إضافياً على تطبيع الإهانة ورفع الصوت بدلاً من الحُجّة.

أما في 2026، فقد اكتمل المشهد. مقاطعة فراس حمدان بحجّة “الحملة الانتخابية”، والاعتراض على انتقاد “دولة صديقة”، أي إيران، كشفا بوضوح حدود المسموح والممنوع داخل المجلس. دفاع النائب سامي الجميّل عن حق حمدان بالكلام لم يغيّر من الواقع شيئاً: حرية التعبير في البرلمان اللبناني باتت مشروطة بالتماهي مع خطاب الممانعة.

العنف السياسي في لبنان ليس جديداً، لكن الجديد هو هذا الانفصام الفاضح: “مسالمة” محسوبة في الجنوب حيث القرار ليس لبنانياً بالكامل، و”محاربة” شرسة في البرلمان حيث يُفترض أن تُدار شؤون الدولة. بين الصمت تحت القصف، والصراخ تحت القبّة، تضيع الدولة، ويُختصر الوطن بمنصّة صراخ لا أكثر.