أجساد معرّضة سجلات فارغة

أجساد معرّضة سجلات فارغة

في بلدٍ تُغتصَب فيه البراءة في وضح النهار، وتُخفى الجرائم خلف ستائر العيب والعار، عاد التحرش الجنسي في لبنان إلى الواجهة ليس من بوّابة الوعي، بل من باب الفضيحة. هذه المرة، الضحايا ليسوا موظفات ولا راكبات في باصات مكتظة، بل أطفال في نزهة مدرسية.

كشفت حادثة وقعت في حديقة “Verebleu Park” عن تعرض عدد من الأطفال لتحرش جنسي من قِبل موظف يعمل في الموقع الترفيهي. حادثة واحدة، نعم، لكنها مرآة لمئات الحالات الأخرى التي لم تُكشف، والتي لم يُبلغ عنها، والتي وُئدت في مهدها بصمتٍ متواطئ، إما خوفاً أو خجلاً أو يأساً.

التحرش في لبنان ليس ظاهرة شاذة، بل ممارسة متجذّرة في ثقافة مجتمعية تمتهن التطبيع مع الجريمة ما دامت خلف الأبواب. ليس لأن الناس يجهلون، بل لأنهم تكيّفوا مع الموضوع حتى صار جزءً من يومياتهم. في هذا البلد، تُدان الضحية أولاً: على ما ترتديه، على ضحكتها، على وجودها، بل على مجرد تنفّسها في مساحة يعتقد البعض أنها ملك خاص للسلطة الذكورية. إنه بلد يُخضع النساء لمحكمة ميدانية في كل شارع، ويطالب الأطفال بالصمت حفاظاً على سمعة لا تستحق الحماية.

القانون اللبناني لم يعترف بالتحرش الجنسي كجريمة قائمة بذاتها إلا في أواخر العام 2020، حين أُقر القانون رقم 205 بعد سنوات طويلة من تجاهل فجّ. قبل هذا التاريخ، كانت حالات التحرش تُلاحق استناداً إلى مواد عامة ومبهمة من قانون العقوبات كـ”الفعل المنافي للحشمة” أو “التعرّض للآداب العامة”، مما جعل العدالة نفسها تائهة في تعاريف غائمة.

جاء القانون 205 ليمنح الضحايا سلاحاً قانونياً. لكنه لم يكن كافياً. فعلى الرغم من أن العقوبات فيه تتدرج بين شهر وأربع سنوات حبس، إلى جانب دفع غرامات مالية، بحسب عمر الضحية، ومكان الحادثة، وصفة المعتدي، إلا أن التطبيق بقي خجولاً. فهل يكفي أن يكون القانون موجوداً على الورق، بينما تُخنق الشكاوى في الأدراج؟

لا آليات واضحة للإبلاغ. لا حماية فعلية للمبلّغين. لا تدريب حقيقي لقوى الأمن والقضاة على التعاطي مع هذا النوع من الجرائم الحساسة. والأسوأ، لا أرقام دقيقة. كم حالة تحرش حصلت في العام 2024؟ لا أحد يدري. كم قاصراً تعرّض للاعتداء ولم يتكلم؟ لا أحد يجرؤ أن يسأل. في بلدٍ تتجنب فيه الضحية الحديث كي لا تُوسم، يصبح التحرش جزءً من الظل.

في تقرير للأمم المتحدة صدر العام 2022، أظهرت الأرقام أن أكثر من 75% من النساء في لبنان تعرضن لتحرش في الفضاء العام. لكن المفارقة أن تسعة من أصل عشرة لا يبلّغن. لا لأنهن لا يملكن صوتاً، بل لأن النظام برمّته مُصمم كي لا يسمع.

والمسؤولية؟ موزّعة بعناية: على المعتدي أولاً، ثم على أرباب العمل الذين يتغاضون عن الانتهاكات في مؤسساتهم، وعلى الدولة التي لا تراقب ولا تحاسب، وعلى المجتمع الذي يُخضع الضحية لمحكمة النوايا، وأحياناً، على الضحية نفسها التي اختارت الصمت كآلية بقاء.

لكن لا يمكن إغفال إشكالية أخرى في بيئات العمل، إذ كثيراً ما يلجأ أرباب العمل إلى توظيف أشخاص غير مؤهلين أخلاقياً أو مهنياً، فقط لأن أجورهم زهيدة. يتم التضحية بالكفاءة على مذبح التوفير، ويُغضّ الطرف عن غياب الحسّ الأخلاقي مقابل بندٍ مالي مغرٍ في الميزانية. ومع ذلك، لا يمكن لربّ العمل دائماً أن يكتشف نوايا موظفيه مسبقاً، فكم من متحرّش لم يكشف عن وجهه الحقيقي إلا بعد سنوات من العمل داخل المؤسسة، متنكراً تحت أقنعة الزمالة والمهنية، قبل أن يستغل لحظة ضعف أو سلطة ليُمارس سطوته بصمت.

حادثة Verebleu ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، ما دامت المساءلة غائبة، والرقابة شكلية، والمجتمع غير قادر أن ينهض من تواطئه المزمن. في زمن الأزمات المتتالية، تبقى الأجساد، خصوصاً أجساد الأطفال والنساء، هي الحلقة الأضعف. هي التي تدفع الثمن حين تُختصر الكرامة بفضيحة، والعدالة بتبرير.

إذا كان القانون لا يُفعَّل، وإذا كانت الدولة لا تحمي، وإذا كان الناس يفضلون الصمت، فمتى نُعلن عن حالة طوارئ أخلاقية؟ متى يصبح جسد الطفل خطاً أحمر؟ متى تُعامل الضحية كضحية، لا كمتهمة؟

لبنان، الذي لطالما تغنّى بالحريات والانفتاح، لا يزال عاجزًا عن حماية أبنائه من واحدة من أبشع الجرائم وأكثرها خُبثًا. هنا، لا يكفي أن تُسنّ القوانين، بل يجب أن تنهار جدران الخوف والتواطؤ.

ما لم تتحرّك الدولة بجدّية، ويتحرّك معها المجتمع بكل طبقاته، فإننا لا نعيش أزمة قانون بل كارثة ضمير. فحين يصبح الصمت ثقافة، والتحرش تفصيلاً، والضحية عبئًا، نكون قد دخلنا زمنًا لا يليق بالبشر.

ربما لا نملك رفاه إنقاذ ماضٍ لم يُحاسَب فيه أحد، لكننا نملك واجب الدفاع عن حاضرٍ يُغتال، ومستقبلٍ لا يجب أن يُربّى على الخوف. لأن التحرش ليس انحراف فرد، بل عطب أمة. وإذا لم نواجهه الآن، فلن نكون شركاء في الجريمة فحسب، بل في تكرارها.