فنزويلا وخطر تكرار أميركا خطيئة “بناء الدول”

فنزويلا وخطر تكرار أميركا خطيئة “بناء الدول”

​منذ أن بدأت ملامح التحرك الدولي ضد نظام نيكولاس مادورو تتضح في أوائل العام 2019، والجدل في أروقة السياسة الدولية لا يتوقف حول ما نتج عن هذا التدخل.
وعلى الرغم من أن المقارنة بين فنزويلا والعراق غالباً ما تواجه بالرفض في واشنطن نظراً للاختلافات الجوهرية في البنية الاجتماعية والتاريخية، إلا أن المتابع المتأني يدرك أن “شبح المستنقع” لا يزال يخيّم على المشهد. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف سيسقط النظام، بل كيف سنمنع فنزويلا من الانزلاق إلى حالة من الفوضى المستدامة التي قد تستنزف موارد المنطقة والعالم لعقود.

​معضلة “الغد” والفراغ المؤسساتي

أزمة فنزويلا الحقيقية تكمن في أن الدولة ككيان مؤسساتي قد تآكلت من الداخل. نحن لا نتحدث عن نظام سياسي يحتاج للتغيير فحسب، بل عن مؤسسات وطنية مشلولة بالكامل.
المراهنة على أن رحيل مادورو سيعقبه “انفراج تلقائي” هي مراهنة ساذجة، فالدولة الفنزويلية اليوم تعاني من تغلغل عميق لما يُعرف بـ”الكوليكتيفوس”، وهي ميليشيات مسلحة أيديولوجية تدين بالولاء للنظام وتسيطر على أحياء كاملة.

​في حال سقوط النظام من دون وجود خطة أمنية حازمة وشاملة، فإن هذه المجموعات قد تتحول إلى خلايا حرب عصابات، مما يضع أي حكومة انتقالية أمام معضلة أمنية لا تملك الأدوات اللازمة لمواجهتها. وهنا يبرز الخطر: هل ستضطر الولايات المتحدة للتدخل عسكرياً لضبط الأمن وتأمين وصول المساعدات؟ إذا حدث ذلك، فإننا سنكون أمام “احتلال بحكم الأمر الواقع”، وهو بالضبط ما تحاول واشنطن تجنبه لتفادي تكرار سيناريوهات الشرق الأوسط.


أسطورة التعافي النفطي السريع


لطالما قيل إن فنزويلا “بلد غني يعاني من سوء الإدارة”، بالنظر إلى امتلاكها أضخم احتياطيات نفطية في العالم. لكن، من الناحية الفنية والاستراتيجية، هذا الغناء هو مجرد “أرقام على الورق” في الوقت الراهن. شركة النفط الوطنية (PDVSA) لم تعد مجرد شركة فاشلة، بل هي حطام تقني يعاني من تهالك البنية التحتية وهجرة العقول المهنية.

​إعادة إحياء القطاع النفطي الفنزويلي ليكون قادراً على تمويل ميزانية الدولة يحتاج إلى استثمارات هائلة تقدر بمئات المليارات، والأهم من ذلك، يحتاج إلى سنوات من الاستقرار التشريعي والأمني. هذا يعني أن أي حكومة مقبلة ستجد نفسها أمام شعب جائع ومطالب، بينما خزينتها خاوية، ما سيجعلها تعتمد كلياً على القروض الدولية المشروطة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية جديدة تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.

​لعبة القوى العظمى: فنزويلا امست ساحة لتصفية الحسابات


لا يمكننا قراءة المشهد بمعزل عن الصراع الجيوسياسي بين واشنطن من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى. بالنسبة لروسيا، فنزويلا هي ورقة ضغط استراتيجية في “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة، تماماً كما تفعل واشنطن في شرق أوروبا. أما الصين، فتتعامل مع الملف بمنطق “الدائن” الذي يريد ضمان استعادة ديونه الهائلة.

​إن أي تحول سياسي يتجاهل مصالح هذين اللاعبين قد يواجه بعرقلة في مجلس الأمن أو عبر دعم خفي لقوى المعارضة للنظام الجديد. لذا، فإن المخرج من “المستنقع الفنزويلي” لا يمر عبر كاراكاس وحدها، بل يجب أن يمر عبر قنوات تفاوضية دولية تضمن خروجاً آمناً لمصالح الكبار، وهو أمر معقد ويزيد من وتيرة الجمود السياسي.
 


تجنب تحول فنزويلا إلى مستنقع يتطلب من المجتمع الدولي التخلي عن لغة الشعارات والبدء في تبني استراتيجية واقعية. يجب أن ندرك أن التغيير في فنزويلا لن يكون “عدواً سريعاً” بل هو “ماراثون” طويل. يتطلب الأمر أولاً بناء جسور مع المعتدلين داخل الجيش والنظام الحالي لضمان انتقال سلس، وثانياً صياغة خطة مارشال إقليمية لدعم الاقتصاد المنهار فوراً.

من دون ذلك، ستظل فنزويلا جرحاً نازفاً في قلب القارة الأميركية، وسيذكر التاريخ أن التدخل الدولي، على الرغم من نبل أهدافه المعلنة، قد ساهم في خلق أزمة أعمق وأكثر تعقيداً مما كانت عليه. إننا أمام فرصة أخيرة لصياغة حل مستدام، فهل تتعلم واشنطن من دروس الماضي، أم أنها محكومة بتكرارها؟