21 Aug 2025
Like this post
منذ الثورة الإسلامية وحتى اليوم، نشهد عبر شاشات الإعلام العداء المعلن بين الولايات المتحدة الأميركية والنظام الإيراني، وتبادل الاتهامات بين الطرفين، إذ يسعى كلٌّ منهما لفرض هيبته الإقليمية أمام الآخر. كما نرى حجم العقوبات الأميركية الهائل المفروضة على النظام الإيراني وحلفائه في المنطقة، ونلمس في الكثير من التصريحات الرسمية الأميركية نوايا معلنة بمحاولة القضاء على النظام الإيراني واستبداله بآخر.
لكن، هل تريد الولايات المتحدة حقاً إسقاط هذا النظام، على الأقل في المدى القصير؟ وماذا قد يحدث إذا سقط النظام الإيراني اليوم أو في المستقبل القريب؟
يقول مسعود الفك، المختص في شؤون إيران وآسيا الوسطى، إن إيران على يقين بأن الولايات المتحدة الأميركية لا تسعى لإسقاط النظام. وهذا ما صرّح به الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوضوح، إذ قال إنه لا يريد إسقاط النظام، بل تغيير سلوكه.
فلماذا لا تسعى أميركا لإسقاط النظام الإيراني الآن؟
الإجابة تتعلق بعدّة عوامل استراتيجية مترابطة، يمكن اختصارها في ثلاث نقاط أساسية:
أولاً، غياب البديل واحتمال اندلاع حرب أهلية. في حال سقط النظام الإيراني، فإن البلاد قد تشهد اضطرابات داخلية كبيرة تتحول إلى حرب أهلية بين الأقليات المختلفة، مثل الأكراد والعرب واللور والبلوش وغيرهم. ستسعى هذه المجموعات لحماية نفسها، وضمان عدم تهميشها مجدداً، وربما للسيطرة على النظام نفسه. وقد تؤدي هذه الفوضى إلى تقسيم فعلي للسلطة وتفكك الدولة، خصوصاً في المناطق الحساسة مثل السواحل المطلة على الخليج العربي، حيث تنعدم الرقابة، وتبرز محاولات للسيطرة على الموارد النفطية الحيوية.
ثانياً، تهديد استقرار سوق النفط العالمي. في حال سيطرت الميليشيات أو الجماعات المحلية على مناطق النفط والممرات البحرية، خصوصاً على سواحل الخليج العربي، فإن ذلك سيؤدي إلى فقدان السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية، ما سيهدد استقرار الملاحة ويؤثر سلباً على أسعار النفط العالمية. هذا الخطر يُعد كارثياً في نظر الولايات المتحدة، وحتى دول الخليج التي لا تريد أي فوضى تُربك السوق النفط، خاصةً في ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة التي تمر بها.
ثالثاً، التوغل الروسي والصيني في حال سقط النظام. ما يُقلق الأميركيين أكثر، هو احتمال أن تملأ روسيا الفراغ الاقليمي في حال انهيار النظام الإيراني. وفي ظل الحروب القائمة في غزة وأوكرانيا، واحتمالية نشوب توتر كبير بين الصين وتايوان، فإن الولايات المتحدة ليست مستعدة لإدارة ملف إيراني بهذا الحجم، ولا تريد فتح جبهة جديدة في هذا التوقيت المليء بالأزمات. فهي تعلم جيداً أن روسيا لن تسمح لها بالاستفادة من هذا الفراغ، والعكس صحيح. وبالتالي، فإن إبقاء النظام الحالي كما هو، يضبط الأوضاع ويمنع الانفلات الأمني، ما يتيح لواشنطن التركيز على ملفات أخرى.
بعد استعراض هذه العوامل الثلاثة، يتضح أن الولايات المتحدة لا تتحرك في فراغ، بل تنظر إلى الملف الإيراني ضمن استراتيجية أوسع لإدارة صراعاتها العالمية، والجدير بالذكر أن السياسة الأميركية، منذ عهد الرئيس السابق جو بايدن، كانت تهدف إلى تصفية ملفات الشرق الأوسط لتتفرغ للصين. فبالنسبة لأميركا، الصين هي العدو الاستراتيجي الأول، إذ تسعى للسيطرة على العالم من خلال الاقتصاد. ومن أبرز المشاريع التي تُقلق الولايات المتحدة هو مشروع “الحزام والطريق” أو “طريق الحرير”، الذي يهدف إلى ربط آسيا بأوروبا براً وبحراً، وتعتبره واشنطن وسيلة ناعمة للهيمنة الصينية.
ولذلك، أطلقت الولايات المتحدة العام 2023 مشروعاً مضاداً، يهدف إلى تعطيل مبادرة الحزام والطريق الصينية أو الحدّ من تأثيرها، وضغطت على دول مثل بنما للانسحاب من المبادرة، في خطوة واضحة لمحاصرة التمدد الصيني. وهنا تبرز أهمية إيران، التي تقع على أحد أهم المسارات البرية لمشروع الحزام والطريق.
في الخلاصة، الهدف الأميركي على المدى البعيد هو تغيير النظام الإيراني، إما عبر الضغوط التقليدية، أو من خلال خلق حالة معارضة فعالة داخل البلاد. لكن، في الوقت الحالي، ومع سعي الإدارة الأميركية لتخفيف الأعباء الاقتصادية، فإنها لن تتدخل عسكرياً لتغيير النظام، بل ستبقيه تحت العقوبات، كما فعلت مع نظام صدام حسين سابقاً، عندما فرضت عليه عقوبات طويلة حتى حان الوقت المناسب لإسقاطه.
وقد يتكرر المشهد نفسه مع إيران. فعندما يكون النظام الإيراني جاهزاً للتغيير، قد تقوم الولايات المتحدة بدعم انقلاب كما حصل في العام 1953. وعندها، ستشهد المنطقة تحولاً كبيراً في ميزان القوى، وتكون واشنطن قد تخلّصت من نظام يهدد إسرائيل ويدعم أعداءها، وقطعت في الوقت ذاته أحد أهم الممرات البرية لمشروع الحزام والطريق الصيني.
لذا، ترى الولايات المتحدة اليوم أن بقاء النظام الإيراني الحالي، على الرغم من عدائيته، يُعد الخيار الأقل كلفة. فهو على الأقل يضمن الحد الأدنى من الاستقرار، ويمنع الفوضى الداخلية، ويُبقي روسيا والصين بعيدتين من السيطرة الكاملة على البلاد. أما سقوطه في الوقت الحاضر، فسيكون عبئاً اقتصادياً واستراتيجياً هائلًا لا تستطيع أميركا تحمّله.