القجة

القجة

صدى السحر في باحات الفقر

لم تكن “ديزني لاند” بالنسبة لرواد مجرد مدينة ملاهٍ أو صور كرتونية باهتة تُعرض على شاشات التلفاز القديمة؛ كانت العقيدة التي يؤمن بها، والجنة الأرضية التي تعوّضه عن جدران بيته المقشرة. في باحة المدرسة، حيث تشتعل أحاديث الأطفال، كان يقف كمن يستمع إلى أساطير إغريقية. كان يراقب أصدقاءه، العائدين من عطلاتهم، وهم يصفون “مملكة السحر” بعيونٍ تلمع ببريقٍ غريب، وبحكاياتٍ تتجاوز حدود أعمارهم الصغيرة.

تحدثوا عن قطاراتٍ تخترق السحب، وشوارع تفوح منها روائح الفانيليا والكاراميل التي لا تشبه رائحة خبز التنور في حيّهِ. كانت ضحكاتهم الجماعية تقول بوضوح: “هناك، الحياة أخفّ، الجاذبية أقل، والحزن ممنوع من الدخول”. حين كان يشاهد الصور على هواتفهم الحديثة، كان يشعر بضيقٍ خانق في صدره؛ لم يكن حسداً، بل كان “يتم الروح”. شعر بأن العالم مأدبة كبيرة، الجميع مدعو إليها إلا هو، فقد تُرك له المقعد الفارغ في الزاوية المظلمة.

صمتٌ مثقلٌ بالعجز

عاش رواد في بيتٍ بسيط، جدرانه مشبعة برائحة “الكفاف” والصبر. والده، ذلك الرجل الخمسيني الذي تركت حرارة معامل الحديد وشومها على وجهه ويديه، كان يعود كل مساء بظهرٍ منحنٍ كأنه يحمل خيبات البلاد كلها. وأمه، تلك السيدة التي تتقن فن “المستور”، كانت تحوّل القليل إلى كثير بلمسة سحرية لكي لا يشعر الأبناء بالنقص.

كانا يعرفان جيداً تلك الفجوة السحيقة بين “الرغبة” و”القدرة”. لم يواجها أحلامه بكلمة “لا” القاسية التي قد تكسر قلبه، بل واجهاها بصمتٍ طويل، ونظراتٍ مكسورة تشيح عنه كلما فتح سيرة السفر. تعلم رواد باكراً أن صمت الكبار أحياناً يكون أقسى من الرفض الصريح؛ لأنه صمتٌ مثقل بالعجز، عجز الرجل الذي يرى ابنه يريد النجوم ولا يملك هو ثمن المصباح.

في تلك اللحظات، قرر الصبي أن يتوقف عن الانتظار، وقرر أن يحمل حلمه على كتفيه الصغيرتين وحده، ببراءة فيها شراسة المحاربين: “سأصل، ولو مشيتُ على جمر الأيام”.

التاجر الصغير

بدأ مشواره بالتقشف الصارم. في الفسحة المدرسية، كان يقف كشبحٍ بعيد من الطوابير الطويلة. كان يغلق أنفه كي لا تغويه رائحة المناقيش الساخنة أو علب العصير المثلجة، ويقبض بيده الصغيرة على “الخردة” التي أعطاها له والده، يخبئها في جيبه بعناية كما لو كانت سبائك ذهبية. كان يعود إلى البيت بجوعٍ ينهش أمعاءه، لكنه حين يغمض عينيه، يرى قلعة “الأميرة النائمة” فيستيقظ قلبه ويشبع.

لم يكتفِ بالادّخار، بل تحوّل إلى عقل مدبّر. بدأ يحضّر السندويشات في البيت خِلسةً بمساعدة أخته الصغرى، يلفّها بورقِ النايلون ويبيعها لزملائه بأسعار منافسة. وفي العطل الصيفية، حين كان أقرانه يركضون خلف الكرة، كان هو يقف على ناصية الشارع خلفَ طاولةٍ خشبيّةٍ متهالكة، يبيعُ الليموناضة التي عصرها حتى كلّت يداه. كان يبتسم للمارّة بصدقٍ يفوق حاجته للبيع، لأن غريزته الفطرية أخبرته أن “الناس تشتري الأمل قبل أن تشتري العصير”. حتى غرفته تحولت إلى سينما صغيرة؛ يجمع أطفال الجيران، يعرض لهم أفلاماً على تلفازه القديم، ويتقاضى قروشاً رمزية يضعها في حصالةٍ فخارية.

الإعصار الصامت

مرّت سنتان من العدّ اليوميّ. سنتان من حرمان النفس، ومن كلمة “لاحقاً” التي كان يسكت بها صراخ رغباته في شراء قميص جديد أو حذاء رياضي. وحين اقترب من أولى خطوات الحلم، وبدأت الحصالة تئِنُّ من ثقل محتواها، وبدأ يخطط مع والده بجديّةٍ لحجز التذكرة، حدث الانفجار العظيم الذي لا صوت له.

ضربت الأزمة الاقتصادية البلاد كإعصارٍ خفيّ. في ليلةٍ وضحاها، لم تختفِ النقود من يده، لكن فقدت قيمتها. الأرقام التي سهر لأجلها، والعملات التي جمعها قرشاً فوق قرش، صارت فجأة مجرّد ورقٍ ملوّن يصلح للرسم لا للشراء. اكتشف رواد مأساةً لا تُدرَّس في كتب الاقتصاد: أنّ اللصوص في بلاده لا يحتاجون لكسر الحصالات، بل يسرقون “قيمة” ما بداخلها وهم جالسون خلف مكاتبهم الفارهة.

استيقظ ليجد أن ثمن تذكرة الطائرة، التي كانت قبل شهر في متناول يده، صارت تعادل الآن مئة حصالة مثل حصالته. الوقت الذي ظنّ أنّه حليفه الوفي، غدر به في اللفة الأخيرة.
وعلى الرغم من أن شراء التذكرة، لم يكن كافياً لتحقيق حلمه، إلا أنه كان جلبها بالنسبة لرواد و الهدف كله.

الشعلةُ خفتت

تسلّل الاكتئاب إلى روحه بهدوء الأفاعي. لم يصرخ، لم يحطم الحصالة، ولم يعاتب والداه. لكن شيئاً ما انطفأ في الداخل. الصبي الذي كان يملأ الحارة صخباً، صار يمشي بمحاذاة الجدران، كأن الأرض تحت قدميه لغمٌ موقوت قد ينفجر إذا ما تجرأ على الحلم مجدداً.

بدأ ينهشه ندمٌ مرّ: “لماذا لم آكل تلك المنقوشة؟ لماذا لم أشترِ الحذاء الذي أحببته؟ لماذا صدّقت أن الجهد في هذا العالم يُثمر؟”. صار يرى في كل مشروع جديد مخاطرة، وفي كل ادّخار حماقة. لم يعد يريد ديزني لاند، بل صار يكره ذكرها؛ لأنها تحولت من رمزٍ للسحر إلى رمزٍ لهزيمته الشخصية الأولى أمام واقعٍ لا يرحم. صار حلمه الوحيد الآن هو “الأمان السلبي”: ألا يحاول، كي لا يخسر.

مرثية الجيل الضائع

ليست هذه قصة رواد وحده، بل هي مرثية لجيل كامل في لبنان. جيلٌ كان يفترض أن يكون في أوجّ اندفاعه، فوجد نفسه عالقاً في “ثقب أسود” التهم مدخراته وأحلامه وحتى ملامح وجهه الشابة. هؤلاء ليسوا كسالى، ولم يكونوا يوماً سذّجاً. هم ضحايا “كسر الثقة”؛ ذلك الشرخ الذي يحدث عندما يكتشف الإنسان أن القواعد التي تربى عليها –بأن الصبر مفتاح الفرج– هي مجرد تخدير موضعي لآلام مزمنة.

ومع ذلك، وربما في زاوية منسية من قلب كل صبي مثل رواد، لا يزال هناك نبضٌ خفي يقاوم. ليست المعركة اليوم هي الوصول إلى ديزني لاند، بل المعركة هي استعادة “القدرة على الحلم”. المعركة هي ألا يتحول الكبار المهزومون فينا إلى سجانين للصغار الحالمين داخلنا. فالحصالة قد فرغت من قيمتها المالية، لكن التجربة صهرت في قلبه معدناً لا يشترى بالمال… معدن الصمود في وجه العدم.