صور والنبطية والنجاة من الجغرافيا

صور والنبطية والنجاة من الجغرافيا

في زمن الحروب، تصبح بعض المدن أكثر من مجرد تجمعات سكانية أو مساحات جغرافية. تتحول إلى رموز للصمود، وإلى خزائن للذاكرة الوطنية، وإلى شواهد حية على تاريخ شعب يرفض أن يُقتلع من أرضه أو يُمحى من جغرافيته، وإلى معالم أثرية وتاريخية سبقتنا بقرون. هكذا تبدو اليوم مدينتا صور والنبطية، اللتان تقفان في قلب الجنوب اللبناني، تواجهان خطر التدمير والتهجير والاقتلاع، فيما يرتفع من أبنائهما وأهاليهما وفعالياتهما الاجتماعية والثقافية والأكاديمية نداء واضح وصريح يدعو إلى حمايتهما وإنقاذهما قبل فوات الأوان.

ففي خطوة لافتة، أطلقت فعاليات مدينتي صور والنبطية نداءين يدعوان إلى إعلان المدينتين مدينتين مفتوحتين وخاليتين من السلاح، وإلى بسط سلطة الدولة عليهما عبر تعزيز انتشار الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وتأمين ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية، والعمل على تثبيت وقفٍ لإطلاق النار داخلهما على غرار العاصمة بيروت، إلى جانب حماية المعالم الأثرية والتراثية وصونها من أخطار الحرب والاستهداف الإسرائيلي.

حاتم حلاوي، أستاذ جامعي وأحد المبادرين في “نداء صور” يخبرنا أن جوهر هذا النداء لا ينطلق من حسابات سياسية ضيقة ولا من مصالح فئوية أو مناطقية، بل بحسب قوله “هو نابع من حق إنساني ووطني أساسي يتمثل في حق الناس في الحياة الآمنة فوق أرضهم، وفي حقهم بالبقاء في مدنهم وقراهم”.

ويقول حلاوي “إن المبادرة بدأت بمجموعة محدودة من الناشطين الذين اعتبروا أن حماية مدينة صور تتطلب تحركًا مباشرًا باتجاه الرؤساء الثلاثة للمطالبة بإجراءات فعلية لتحييد المدينة عن دائرة الاستهداف. ومع اتساع التأييد للمبادرة وازدياد أعداد الراغبين في الانخراط بها، فُتح باب التوقيع على النداء أمام مختلف الفعاليات والأفراد من أبناء المدينة والمنطقة”. ويضيف حلاوي أن “نداء صور” جعل أهالي مدينة النبطية يطلقون بشكل منفصل نداء مدينتهم، أي “نداء النبطية”.

ومن هنا تبرز أهمية الدعوة إلى جعل صور والنبطية مدينتين مفتوحتين، لا باعتبار ذلك إجراءً تقنياً أو تفصيلاً إدارياً، بل باعتباره خياراً وطنياً يهدف إلى حماية المدنيين وصون ما تبقى من مقومات الحياة الطبيعية في الجنوب. فالمدينة المفتوحة هي مدينة يُعاد فيها الاعتبار للإنسان قبل أي شيء آخر، وتُقدَّم فيها سلامة السكان وحقهم في العيش الكريم على منطق الحرب والدمار. وهي أيضاً رسالة واضحة بأن حماية الناس ليست تنازلاً عن الحقوق الوطنية، بل هي التعبير الأسمى عنها.

لقد حملت هذه النداءات في مضمونها إصراراً واضحاً على أن تكون الدولة اللبنانية هي المرجعية الأولى والأخيرة في حماية المدن وسكانها. لذلك جاءت المطالبة بإطلاق مبادرة دبلوماسية عربية ودولية عاجلة، وبالتحرك السياسي الفاعل لوقف الاعتداءات المستمرة، وبنشر الجيش اللبناني والقوى الأمنية وتعزيز حضور مؤسسات الدولة داخل المدينتين ومحيطهما. فالدولة لا تُقاس بخطاباتها ولا بشعاراتها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها وصون أرواحهم وممتلكاتهم وتأمين حقهم في البقاء على أرضهم.

وفي صلب هذه الرؤية يبرز مفهوم السيادة بوصفه مفهوماً مرتبطاً بحياة الناس اليومية لا مجرد شعار سياسي. فسيادة الدولة لا تتحقق فقط عند الحدود، بل تتحقق أيضاً عندما يشعر المواطن بأن مدينته محمية، وأن منزله ليس معرضاً للهدم، وأن مستقبله لا يتوقف على موازين القوى والحسابات الإقليمية. ولذلك فإن المطالبة بفرض سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية تترافق بصورة طبيعية مع المطالبة بوقف شامل لإطلاق النار وإنهاء حالة الاستنزاف التي يعيشها الجنوب.

ويضيف حاتم حلاوي تعليقًا على مطلب النداء بسط السيادة في مدينة صور وإعلانها مدينة خالية من السلاح: “لم نقل أن في مدينتنا سلاح خارج الدولة، مطلبنا فقط أن تحضر الدولة بجميع مؤسساتها الأمنية والعسكرية وغيرها، توازيًا مع العمل الدبلوماسي لتجنيب المدينة الدمار”.

ولا يقتصر الخطر الذي يهدد صور والنبطية على الحجر والبنى التحتية فحسب، بل يمتد إلى الذاكرة الوطنية نفسها. فهذه المدن ليست مجرد أماكن للسكن، وإنما هي جزء من التاريخ اللبناني ومن الهوية الوطنية الجامعة. إن صور بما تختزنه من إرث حضاري وإنساني، والنبطية بما تمثله من مركز اجتماعي وثقافي وتاريخي للجنوب، تشكلان معاً جزءاً من الذاكرة الجماعية للبنانيين. ولذلك فإن حماية المعالم التاريخية والتراثية، وفي مقدمتها قلعة الشقيف وسائر المواقع الأثرية، ليست قضية ثقافية فحسب، بل هي دفاع عن رواية لبنان وعن هويته وعن استمرارية حضوره التاريخي.

كما أن الدعوة إلى تأمين ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية والطبية والغذائية تعكس فهمًا حقيقيًا للأمن، بوصفه قدرة السكان على الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية والعيش بكرامة، لا مجرد غياب القتال والقصف.

بالتوازي مع إطلاق المبادرة، تعرّض المبادرون إلى نداءَي صور والنبطية والموقّعون عليهما لحملة تخوين واتهامات بالعمالة، وصفها حلاوي بأنها “حملة شعواء”. ويشير إلى أن “السبب الرئيسي وراء هذه الاتهامات هو أن المبادرة صدرت عن شخصيات عارضت الحرب القائمة، وتُعلن بشكل واضح تأييدها لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية”. ويضيف حلاوي تعليقًا على التخوين والتهديد قائلًا: “الحملة ضد النداءات ليست فردية أو عفوية، بل جماعية تهدف إلى منع كرة الثلج من التدرج نحو جوّ إضافي من الإعتراض”.

إن حماية صور والنبطية ليست قضية تخص أبناء المدينتين وحدهم، ولا تخص الجنوب وحده، بل هي قضية وطنية بامتياز. فحين تُحمى صور تُحمى ذاكرة لبنان، وحين تُصان النبطية يُصان جزء أساسي من نسيجه الاجتماعي والوطني. وحين يُحمى الجنوب من الدمار، يُحمى لبنان كله من السقوط في دوامة جديدة من التفكك والنزوح والانقسام.

لهذا السبب يبدو النداء الموجه إلى الرؤساء الثلاثة والحكومة اللبنانية أكثر من مجرد مطالبة سياسية. إنه دعوة إلى تحمّل المسؤولية الوطنية والتاريخية تجاه منطقة دفعت الكثير من أثمان الحروب، وإلى اتخاذ خطوات عملية تحفظ حياة الناس وتصون كرامتهم وتضمن حقهم في العودة والبقاء. فحماية صور والنبطية ليست فقط حماية لمدينتين، بل هي حماية لفكرة لبنان نفسها: لبنان الذي يريد أبناؤه أن يعيشوا فيه بأمان، تحت سقف دولة واحدة، وعلى أرض واحدة، وفي ظل حياةٍ كريمة.