سيرة ذاتٍ انتهت صلاحيتها

سيرة ذاتٍ انتهت صلاحيتها

يُقال إنّ الطبع يغلب التطبّع، وإنّ الإنسان مهما حاول أن يبتعد عن ذاته الأولى، سيعود إليها يومًا. ويُقال إننا لا نتغيّر فعلًا، بل نتعلّم فقط كيف نُخفي ما فينا، وكيف نرتدي شخصيات أكثر لياقة أمام العالم، وأكثر تناسبًا مع من هم حولنا ويحتكّون بسلوكنا اليوميّ، لكن هذه الفكرة تبدو ناقصة أمام أولئك الذين مرّوا بتجارب حياتية ونفسية، ثم خرجوا منها وهم بالكاد يشبهون أنفسهم السابقة.

فماذا لو لم يعد المجرى القديم موجودًا أصلًا؟ ماذا لو عبر الإنسان فترةً هدمت فيه أشياء كان يظنّها ثابتة، واقتلعت منه ردود أفعال، ورغبات، ومخاوف، وعلاقات كاملة، وطباع لم ياحظها في نفسه سابقًا؟ ماذا لو لم تكن التجربة مجرّد حادثة مرّت في حياته، بل حدثًا أعاد ترتيب الحياة في داخله؟

نحن لا نخرج دائمًا من الفترات الصعبة أكثر صلابة. أحيانًا نخرج أكثر حساسية، لكننا نكون أوعى بحساسيتنا. نخرج أقلّ اندفاعًا، أقلّ استعدادًا لتبرير الأذى، وأقلّ خوفًا من الوحدة. قد نفقد القدرة على التسامح مع أمور كنّا نقبلها سابقًا، لا لأن قلوبنا أصبحت أقسى، بل لأننا تعلّمنا أخيرًا أن نحميها. وقد نظهر متسامحين أكثر من قبل مع مواقف أخرى، لأننا اكتشفنا عدم جدوى الوقوف عندها مجددًا.

والحقيقة أنّ كثيرًا مما نسمّيه “طبعًا” ليس طبعًا أصيلًا بالضرورة. قد يكون خوفًا قديمًا، أو أسلوبًا في طلب الحب، أو دفاعًا تعلّمناه في بيئة لم تسمح لنا بأن نكون آمنين. قد يبدو الإنسان غاضبًا، بينما هو عاجز عن التعبير عن مكنونات نفسه، وقد يبدو باردًا، بينما هو فقط تعلّم أن الاندفاع والحماس سيبرد حتمًا فاستبقه بخطوة.

وحين نفهم جذور هذه السلوكيات، يتغيّر شيء حقيقي فينا. لا نعود نكررها بالطريقة نفسها، لأننا لم نعد نحتاج إليها كما في السابق. وهنا لا يكون التغيير مجرّد قناع جديد، بل تحوّلًا في البنية الداخلية للإنسان.

بعد الفترات النفسية الصعبة، قد تتغيّر خريطة الخوف كاملة. أشياء كانت ترعبنا تصبح أقلّ أهمية، وأشياء كنّا نتجاهلها تتحول إلى حدود لا نسمح لأحد بتجاوزها. قد يتوقف الإنسان عن الخوف من خسارة الآخرين، لأنه خسر نفسه مرةً، وأدرك أن تلك هي الخسارة الأشدّ. وقد يتوقف عن ملاحقة القبول، بعدما اكتشف أن نيل رضا الجميع قد يكلّفه احتقار ذاته، وقد يقبل برضا بعض الأشخاص دون غيرهم، لأنه اكتشف في النهاية من هم الأشخاص الذين يستحقون أن يروا ما بداخلنا.

هناك لحظات لا يعود فيها الإنسان قادرًا على الاستمرار بالشخصية التي كان عليها. ليس لأنه قرر ذات صباح أن يصبح شخصًا مختلفًا، بل لأن ذاته القديمة استنفدت قدرتها على الحياة. كانت تصلح لمرحلة معينة، لعلاقات معينة، ولوعي أقلّ بما يستحقه، ثم جاءت التجربة القاسية لتعلن انتهاء صلاحيتها، وموتها للأبد.

في تلك اللحظة، يبدأ التغيير من مكان موجع. لا يبدأ دائمًا من الرغبة في النموّ، بل من العجز عن الاستمرار. يصبح البقاء على الحال القديمة أكثر إيلامًا من مغادرتها. عندها لا يعود التحول ترفًا فكريًا أو قرارًا تجميليًا، بل يصبح غريزة نجاة.

قد يظنّ الآخرون أن الإنسان أصبح قاسيًا أو مختلفًا بشكلٍ فاقع، بينما هو فقط لم يعد مستعدًا لأن يُستنزف داخل قالبٍ منتهي الصلاحية. وقد يقولون إنه تغيّر، كأن التغيّر تهمة، بينما تكون حقيقته أنه نجا. فالنسخة الجديدة من الإنسان لا تكون دائمًا أكثر لطفًا أو سهولة، لكنها غالبًا تكون أكثر صدقًا مع نفسها.

والتغيير الجذري لا يعني محو الماضي أو كراهية الذات القديمة – رغم جواز الكره في حالاتٍ معينة – على العكس، ربما يكون أعمق أشكال النضج أن ننظر إلى الشخص الذي كنّاه برحمة، لا باحتقار. نفهم لماذا تصرّف كما فعل، ولماذا صدّق، ولماذا بقي، ولماذا خاف، ولماذا اندفع. ندرك أنه لم يكن ضعيفًا، بل كان يتعامل مع الحياة بالأدوات القليلة التي امتلكها آنذاك. لكن التعاطف مع الذات القديمة لا يعني العودة إليها. يمكننا أن نحبّها، ونشكرها لأنها أوصلتنا إلى هنا، أو نبغض ذلك أحيانًا، ثم نتركها خلفنا.

ولا يحدث التغيير دفعة واحدة دائمًا. قد يتقدم الإنسان خطوة ثم يتراجع، يضع حدًّا ثم يحنّ إلى ما تجاوزه، يختار نفسه ثم يشعر بالذنب. فالتحول لا يسير في خط مستقيم. نحن لا نغادر ذواتنا القديمة بسهولة، لأنها كانت مألوفة، والمألوف يمنحنا شعورًا زائفًا بالأمان حتى عندما يؤذينا.

ومع ذلك، كلّ مرة يختار فيها الإنسان ردًّا مختلفًا، يشارك في إعادة تشكيل نفسه. كلّ مرة لا يعود فيها إلى حالةٍ أهانته، كلّ مرة يقول فيها “لا” من دون اعتذار، كلّ مرة يهدأ بدلاً من أن ينفجر، أو يتكلم بدلاً من أن يصمت، فإنه لا يمثل دورًا جديدًا، بل يبني طبعًا جديدًا، وطبعًا لم يشكّله بوعيه، لكنه أكثر إقناعًا وإرضاءًا وصدقًا.

فالطباع ليست جدرانًا مغلقة، بل مسارات تتقوّى بالتكرار. وما نكرّره يصبح جزءًا منّا، وما نتوقف عن تغذيته يضعف تدريجيًا. قد تبقى بعض البذور القديمة في الداخل، لكن هذا لا يعني أنها ستظلّ تحكم الأرض كلّها.

ربما لا يصبح الإنسان شخصًا آخر بالمعنى الكامل، لكنه يستطيع أن يعيد تشكيل علاقته بكلّ ما فيه. يستطيع أن يحوّل خوفه إلى وعي، وغضبه إلى حدّ، وحزنه إلى بصيرة، وحاجته إلى الآخرين إلى قدرة على الاختيار بدل التعلّق.

لهذا، نعم نحن نتغيّر. لا لأن الماضي يختفي، بل لأن معناه يتغيّر. لا لأن الجروح تمحى، بل لأننا نتوقف عن تعريف أنفسنا بها. ولا لأن الطباع القديمة تموت تمامًا، بل لأننا نسحب منها سلطة القرار.

وأحيانًا، يكون التغيير عميقًا إلى درجة أننا ننظر إلى أنفسنا القديمة كما ننظر إلى شخص عرفناه يومًا. نتذكر صوته، مخاوفه، ورغباته، ونعرف أنه كان نحن، لكننا نشعر أيضًا بمسافة واضحة بيننا وبينه.

نحن نفهمه، ونحزن عليه، وربما نشتاق إليه أحيانًا، لكننا لم نعد قادرين على العيش مكانه.